الضربة الأمريكية على سوريا ارتجالية ولن تغير موازين القوى على الأرض
يعتقد المحاضر بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى حسن منيمنة، أن الضربة العسكرية ضد مطار الشعيرات العسكري بحمص في سوريا، حملت الكثير من “الارتجالية والذاتية” لشخص الرئيس دونالد ترامب، حتى يرسم لجمهوره والرأي العام الأمريكي صورة مغايرة له عن سلفه أوباما.
ويذكر الأكاديمي في هذا الحوار مع “الشروق”، أن ما حصل سيعيد ترتيب المشهد في سوريا، ولا يتوقع رد فعل روسي قوي، وأن ما سيحصل من موسكو ما هو سوى “مشاكسات” فقط لأن من نفذ الضربة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم.
كيف تقرأ الضربة العسكرية الأمريكية على مواقع عسكرية سورية؟
في واقع الأمر، الخطوة لا تندرج في إطار رؤية متكاملة في الملف السوري، لأن رؤية كهذه ليست متوفرة اليوم لدى حكومة ترامب، الذي لم يؤسس بعد الفريق الكامل للسياسة الخارجية، هي خطوة ارتجالية انفعالية إلى حد ما، ولكنها خطوة ذات تداعيات هامة جدا.
يجب أن ننتبه إلى أن ترامب كان محكوما باعتبارين: الأول، حاجته إلى إعادة الاعتبار للدولة الأمريكية والحضور الأمريكي عالميا، والثاني هو الاستمرار في التخلي عن سياسة شرطي العالم، الاعتباران هما على تناقض وتضاد، ولكن يبدو أن الموقف الذاتي للرئيس على ما جرى أدى إلى ارتجال الخطوة التي أقدم عليها، نلاحظ أن ترامب في الملف الكوري الشمالي والإيراني كان قد اكتفى بالكلام، والآن فعل، بغض النظر عن الدوافع التي أوصلتنا إلى الضربة فهي تشكل انتقالا نوعيا في طبيعة الاشتباك في سوريا، نتحدث هنا سياسيا وميدانيا.
نعم ميدانيا لا تتبدل موازين القوى لأن القوى ما تزال بيد روسيا وإيران والنظام السوري، روسيا كانت تقوم بعملها كما شاءت، وإيران تساند كما شاءت، والنظام يضرب كما يشاء، ومع حصول الضربة لا تستطيع القوى افتراض أن الفعل الأمريكي لن يكون حاضرا، فلا بد لها من إعادة حساباتها. سياسيا يمكن القول إن روسيا ستعيد ترتيب أمورها، لأن هنالك عاملا فاعلا وطرفا أقوى بكثير من الطرف السوري.
سبق أن اتُهم النظام السوري باستعمال الكيماوي، حينها أوباما توعد ولم يفعل شيئا، أما ترامب فعمل من دون أن يتحدث، لم هذا الاختلاف؟
ربما بعض الاعتبارات الذاتية قد حصلت، وترامب مصرّ على رسم شخصيته العامة ويتميز عن أوباما. أوباما رسم خطوطا حمراء ولكن قُطعت، لهذا نقول إن ترامب أراد التميّز، وهنالك اعتباراتٌ أخرى ممكنة، كونه أراد إظهار لجمهوره والرأي العام أنه ليس على علاقة حميمية مع روسيا كما يدّعيها البعض، يمكن الإشارة إلى عوامل أخرى قد ساهمت في هذا القرار ولكن لم يكن محسوما، وهنا نتحدث عن الذاتية، لا أعتقد أن هنالك من كان يدرك أن هذا سيحصل، حتى وزير خارجيته ريك تيليرسون كان قد صرح بأن مصير الأسد بيد السوريين، وإذ به يتحدث أن الإجراءات لإزاحة الأسد في طور الإعداد، نحن نتحدّث عن سياسة أمريكية غير واضحة المعالم، ولأن أمريكا القوى العظمى الوحيدة في العالم، فإنها تستطيع أن تقتنع لما ترتجل في أي قرار، فإن الجميع ينضوي ويتفاعل مع ذلك لأنه أصبح أمرا واقعا وفعليا.
كان هنالك انسحابٌ أمريكي من الملف السوري في الفترة السابقة، لم هذا التحوّل؟ وهل هو مرتبط كما قلت بذاتية ترامب؟
بالتأكيد هي ذاتية وارتجالية، لكن ذات تداعيات، بمجرد أن تحدث يصبح ما كان سابقا غير مستمر، لأن التقييم الأمريكي للملف السوري كان أن الملف شائك وذو كلفة مرتفعة جدا وذو عائدات منخفضة جدا، والأصح أن يتم الابتعاد عنه، هنالك رأي آخر يقول إن ترك الملف كترك دين ذي فائدة عالية سيتم دفعه آجلا أو عاجلا، واقع الأمر أن الرئيس كان من أصحاب الرأي الأول، ولكن إذا أعاد النظر بين ليلة وأخرى، نتيجة صور رآها أذهلته كما قال، رغم أن صور القتلى في سوريا وخاصة الأطفال دائمة ومستمرة بالكيماوي وغير الكيماوي.
أيّ ردّ فعل لموسكو حيال الضربة الأمريكية؟
لاشك أن موسكو، المحافظة على هيبتها، لا بدّ لها من تصعيد اللهجة، وما عدا ذلك، فإن موسكو التي تحتاج إلى واشنطن في ملفات كثيرة، أكثر بكثير مما تحتاجه أمريكا من روسيا، ستتلاءم مع الوضع الجيد، سوف تعمل على ترتيب الأمور في سوريا، بعدما أصبحت أمريكا لاعبا فعَّالا، القرار الروسي يجب أن يكون مبنيا على قراءات واقعية، عكس القرار الأمريكي المبني على الارتجالية والذاتية، ولهذا لا تستطيع روسيا أن تدخل في صراع طويل مع أمريكا، اللهم بعض المشاكسات والتشويش والسجالات، وما عداه نتوقع أن تترتب الأمور.