الطائفة المدخلية.. بين سوء الفهم وفساد الطوية!
في العقود الأخيرة، بدا واضحا للعيان، كيف أنّ بعض المسلمين، زلّت بهم الأقدام في مواطن الصراع بين الحقّ والباطل، بصورة أذهلت العقلاء وأسف لها كلّ مسلم غيور على دينه وأمّته؛ مسلمون ينتسبون إلى التديّن وإلى الكتاب والسنّة وسلف الأمّة ويرفعون شعارات براقة تغري النّاظرين؛ يفاجئون الأمّة ويفجعونها بوقوفهم في مواجهة إخوانهم المسلمين وطعنهم في خواصر المرابطين في أحلك الأوقات وأصعب المواقف، بحجّة أنّ أولئك المسلمين ليسوا على الجادّة، أو أنّهم مبتدعة! ومع شناعة الموقف الخائن في وقت التدافع بين الإسلام والكفر تجد أولئك الطّاعنين يقولون بكلّ ثقة إنّ وقوفهم في وجه المبتدعة لا يلزم منه أنّهم مع الأعداء الكافرين!
ما زاد طين هؤلاء المنتسبين كذبا وزورا إلى سلف الأمّة، ظنُّهم أنّ الوقوف في صفّ الباطل لا يكون إلا بقصّد وتعمّد مؤازرته باليد أو اللّسان، ولا يدرون أنّ كلّ كلمة وكلّ موقف من شأنه أن يضعف المسلم ويفتّ في عضده ويرخي من عزيمته ويخذّل عنه، يُعدّ نصرة للكافر، تماما كما أنّ كلّ ما من شأنه أن يضعف عزيمة العدوّ ويفتّ في عضده، يعدّ نصرة للحقّ، يقول الله –تعالى-: ((مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين)) (التوبة: 120).
ما من شكّ في أنّ هؤلاء المداخلة يحبّون الدّين ويتمنّون ظهوره، ولكنّهم إمّا لسوء فهم أو سوء طوية أو للسببين معا، هووا إلى هذا الدّرك، وكانوا ممّن ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.. وقلّة الفهم وسوء الطّوية، هما السّبب في كلّ الانحرافات التي عرفتها البشرية عن رسالات الأنبياء، وهما السّبب في كلّ انحراف وقعت فيه طوائف كثيرة أثقلت كاهل الأمّة على مدار تاريخها.. يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله-: “سوء الفهم وفساد القصد، قد يجتمعان وقد ينفردان، وإذا اجتمعا تولّد من بينهما جهل بالحق ومعاداة لأهله واستحلال ما حرم الله منهم.. وإذا تأملتَ أصول المذاهب الفاسدة رأيت أربابها قد اشتقوها من بين هذين الأصلين وحملهم عليها منافسةٌ في رياسة أو مال أو توصل إلى عرض من أعراض الدنيا تخطبه الآمال وتتبعه الهمم وتشرئب إليه النفوس، فيتفق للعبد شبهة وشهوة، وهما أصل كل فساد ومنشأ كل تأويل باطل، وقد ذم الله –سبحانه- من اتبع الظن وما تهوى الأنفس، فالظن الشبهات وما تهوى الأنفس الشهوات”.
لقد أُتِي المداخلة من سوء الفهم، لأنّهم ألقوا عقولهم وقيادهم لمشايخهم الذين علّموهم أنّ الطّائفة الوحيدة التي تمثّل الدّين هي طائفتهم التي تنصر دين الله وفق منهجٍ يوصف بأنّه هو وحده منهج الأنبياء ومنهج السلف، ولا يتكلّم باسمه إلا علماء اختيروا –بعناية- ليغرسوا في أتباعهم عقد الولاء على الطّائفة بدل الأمّة وعلى الشّيخ بدل الكتاب والسنّة؛ فالأمّة كلّها على ضلال –أو تقصير- باستثناء الطّائفة، والعلماء كلّهم مخالفون للكتاب والسنّة باستثناء علماء الطّائفة! وبنوا على ذلك أنّ الأصل في عمل وسعي كلّ من لم ينتسب إلى الطّائفة ويرض عنه مشايخها أنّه باطل، وهي النتيجة الجاهزة التي يُنطلق منها ويُتعسّف في البحث عن قرائن وأدلّة لها.. وعلى هذا، فهؤلاء الذين يقارعون الصهاينة في الأرض المباركة ما داموا ليسوا من الطّائفة ولم يزكّهم “المشايخ” فهم ليسوا على عقيدة ومنهج صحيحين، بل هم مبتدعة ضالّون أضرُّ بالإسلام من اليهود والنّصارى. وحتّى لو رفعوا راية الجهاد ضدّ الصهاينة والصليبيين، فجهادهم غير صحيح بل هو وبال على الإسلام والمسلمين!
لو تحرّر هؤلاء المداخلة من أغلال الطّائفة والمشايخ، وعادوا إلى كتاب الله الذي أوصى به النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- في حجّة الوداع كمصدر أوّل للهداية، لوجدوه لا يرتضي لعباد الله المسلمين اسما آخر غير “المسلمين”، ولا يقبل لهم الولاء والبراء على غير “الإسلام”. لن يجدوا في كتاب الله كلاما فيه مدح أو إعلاء من شأن الطّوائف، ولا وعدا من الله بأنّ طائفة ستكون الناجية من دون الأمّة، بل على العكس من ذلك سيجدون القرآن ينهى عن تفريق المسلمين وتشييعهم، وينهى مع ذلك عن اتّخاذ المشايخ أربابا من دون الله، ويتوعّد من كتم الحقّ منهم حرصا على دنياه بالعذاب الأليم.
سوء الفهم الذي جعل المداخلة يتبنّون عقيدة راسخة مفادها أنّ المسلم الذي لا يتبع طائفتهم ولا يلتزم أصول منهجهم هو إمّا عاميّ لا وزن له ولا لموقفه، أو مبتدع ضالّ أضرّ بالإسلام من اليهود والنصارى؛ سوء الفهم هذا جعل صدورهم تغلي كالمراجل لعباد الله المؤمنين الذين لا يرتضون مسلك طائفتهم، بل وللصفوة الذين يذودون عن حياض الدّين ويفدون مقدّسات الأمّة بأرواحهم، مخالفين –أي المداخلة- بذلك أمر الله الذي ذكر من صفات عباده المؤمنين أنّهم يدعون بقولهم: ((وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)).. ومع هذا الغلّ الذي تراكم في قلوبهم للمرابطين، تفاقمت في صدورهم نشوة التلذّذ بتقريع المخالفين ووصمهم بالضّلال والانحراف، وتعاظمت في نفوسهم بطولات زائفة في حرب المخالفين وتشويههم، تسلّيهم وتوجد لهم الأعذار في القعود عن خوض معارك الأمّة الحقيقية ضدّ أعدائها الحقيقين، بخوض معارك خاطئة زائفة ضدّ أعداء يُصنعون لهم ويستنفرون لحربهم!
أصبحت هذه الطائفة المدخلية مدرسة لتخريج أبطال وهميين، جُلهم من ضحايا التسرّب المدرسيّ أو البطالة الفكريّة، لا يحتاج الواحد منهم إلى وقت طويل ولا إلى جهد كبير حتى يتخرّج “مجاهدا” يقارع المبتدعة ويفضح الإخوان المفلسين وحماس الخارجية! ولذلك ازدحمت مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بهذا الصّنف من “الأبطال الوهميين” الذين يرى كلّ منهم في نفسه أنّه جُذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب وفارس المعركة الذي لا يشقّ له غبار، ويجد في تزويق العناوين ما يغنيه عن إجادة المضامين، فيكفيه –مثلا- أن يستعمل كلمة “الردّ” ليكون بطل النقاشات وقامع المبتدعة وأهل الانحرافات. ويكفيه أن يصدّر منشوره بكلمة “فضح” ليكون المحقق البارع الذي يكشف فضائح الدّعاة وأسرار وخفايا الجماعات!
كثير من الشّباب المنتسبين إلى الطائفة المدخلية، كانت بداياتهم رغبة صادقة في الالتزام والتديّن، ولكنّهم لم يلبثوا أن وجدوا أنفسهم لاهثين خلف شهوة التصدّر والمشيخة.. الواحد منهم قد يعلم من نفسه أنّه صاحب مستوى تعليميّ جدّ متواضع، ولم يتمّ منذ توبته قراءة كتاب كامل، ولم ينقطع لتعلّم أدوات العلم، ومع ذلك ينقاد لشهوة نفسه في التمشيخ والتصدّر والتحكّم في رقاب “العوام” والطّعن في المصلحين، فلا تراه إلا طاعنا في أئمّة المساجد والدّعاة والعلماء وحتى المجاهدين، مستغلا شهوة محبوبة لكثير من النّفوس هي شهوة إسقاط الرّموز! وهذا النّموذج من الشّباب الذي اجتمع عنده سوء الفهم وسوء الطوية، هو ما يمثّل العمود الفقريّ للطّائفة المدخلية، فحتى رؤوس هذه الطّائفة، يحرصون غاية الحرص على إشباع هذه الشّهوة عند الأتباع، لأنّهم بذلك يضمنون دوام ولائهم وعدم انفضاضهم!