-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الطاهر وطار في مذكرات ليست كالمذكرات: أراه رجل المصالحة الثقافية

الشروق أونلاين
  • 1497
  • 0
الطاهر وطار في مذكرات ليست كالمذكرات: أراه رجل المصالحة الثقافية

إذا كانت الجزائر قد استطاعت أن تضمد جراحاتها السياسية خلال عشرية الدم والدمار بالمصالحة الوطنية التي كانت حلما فتحولت إلى حقيقة، فلا شك أن هذه الجزائر التي اندملت جراحاتها النازفة، هي بعد ذلك بحاجة ماسة إلى مصالحة ثقافية. فإذا كان رجال السياسة قد استطاعوا أن‮ ‬يتصالحوا‮ ‬فيما‮ ‬بينهم‮ ‬فالأجدر‮ ‬برجال‮ ‬الثقافة‮ ‬هم‮ ‬أيضا‮ ‬أن‮ ‬ينتهي‮ ‬بهم‮ ‬الأمر‮ ‬إلى‭ ‬مصالحة‮ ‬ثقافية‮.‬ إننا هنا لا نتحدث عن الثقافة بمعزل عن السياسة، ولا عن السياسة بمعزل عن الثقافة، فالقطيعة بين ما هو سياسي وبين ما هو ثقافي ما هو إلا وهم.فالملاحظ هو أن الرجل السياسي قمع الرجل الثقافي وبالتالي يشعر المثقف في كل مرة بالاضطهاد السياسي، هذا هو الواقع الذي يحاول‮ ‬الخطاب‮ ‬الانهزامي‮ ‬في‮ ‬الساحة‮ ‬الثقافية‮ ‬أن‮ ‬يكرسه‮ ‬في‮ ‬مشهدنا‮ ‬الثقافي،‮ ‬غير‮ ‬أن‮ ‬هذا‮ ‬الواقع‮ ‬المزيف‮ ‬ليس‮ ‬هو‮ ‬الحقيقة‮ ‬عينها‮.‬ ترى ما الذي يمنع السياسي أن يكون مثقفا وما الذي أيضا يمنع المثقف أن يكون مسيّسا. إننا هنا، بطبيعة، الحال لا ندعو المثقفين إلى الانخراط في الأحزاب السياسية، مثلما لا ندعو السياسيين إلى الانخراط في الجمعيات الثقافية. فالمثقف والسياسي كلاهما مواطن قبل كل شيء.‮ ‬ومن‮ ‬حق‮ ‬هذا‮ ‬المثقف‮ ‬وذاك‮ ‬السياسي‮ ‬أن‮ ‬يختار‮ ‬الوسيلة‮ ‬المناسبة‮ ‬للنضال‮ ‬الثقافي‮ ‬أو‮ ‬النضال‮ ‬السياسي‮.‬

يجب الاعتراف أننا في الجزائر لم نحسن ممارسة التعددية الحزبية، ولم نستفد من موروثنا التاريخي خاصة خلال فترة الكفاح السياسي الذي قادته الحركة الوطنية وخاصة الحركة الاستقلالية التي كان يقودها الزعيم الحاج أحمد مصالي أو الحركة الإصلاحية التي كان يقودها الشيخ عبد‮ ‬الحميد‮ ‬بن‮ ‬باديس‮ ‬وحتى‭ ‬الحركة‮ ‬الاندماجية‮ ‬التي‮ ‬كان‮ ‬يقودها‮ ‬فرحات‮ ‬عباس‮ ‬وغيرهم‮ ‬من‮ ‬الشخصيات‮ ‬الوطنية‮ ‬التاريخية‮ ‬التي‮ ‬قادت‮ ‬تلك‮ ‬المرحلة‮ ‬الحاسمة‮ ‬من‮ ‬تاريخ‮ ‬الجزائر‮.‬

على الرغم من الطابع السياسي لحزب الشعب الجزائري، الذي كان يتزعمه مصالي الحاج، وعلى الرغم من الطابع الثقافي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان يرعاها الشيخ عبد الحميد بن باديس، فالجزائريون في ذلك الوقت قد كانوا لا يفرقون بين هذا السياسي الثوري وبين‮ ‬هذا‮ ‬الإصلاحي‮ ‬المثقف‮. ‬فلقد‮ ‬كان‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬الحزب‮ ‬السياسي‮ ‬والجمعية‮ ‬الثقافية‮ ‬وجهين‮ ‬لورقة‮ ‬واحدة‮.‬إن‮ ‬الثورة‮ ‬الجزائرية‮ ‬المباركة‮ ‬تمثل‮ ‬خلاصة‮ ‬الخلاصة‮ ‬في‮ ‬الكفاح‮ ‬السياسية‮ ‬والكفاح‮ ‬الثقافي‮ ‬ضد‮ ‬الاحتلال‮ ‬الفرنسي‮ ‬للجزائر‮ ‬والذي‮ ‬أخذ‮ ‬طابعا‮ ‬استيطانيا‮ ‬لم‮ ‬يأخذه‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬بلد‮ ‬من‮ ‬البلدان‮ ‬العربية‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬الوقت‮.‬

لم تكن الثورة الجزائرية تفرق بين الزعيم أحمد بن بلة وبين الشيخ البشير الإبراهيمي ولا بين بن يوسف بن خدة وفرحات عباس، ولا بين العربي التبسي ومولود فرعون ولا بين مالك بن نبي وفرانس فانون ولا بين مفدي زكريا ومحمد العيد آل خليفة!… هكذا ذاب الجميع في أتون الثورة‮ ‬الجزائرية‮ ‬التي‮ ‬كان‮ ‬كل‮ ‬الوطنيين‮ ‬الأوفياء‭ ‬وقودها‮ ‬الملتهب‮ ‬ولهيبها‮ ‬المقدس‮.‬أعتقد‮ ‬أن‮ ‬المصالحة‮ ‬الثقافية‮ ‬هي‮ ‬جوهر‮ ‬المصالحة‮ ‬الوطنية،‮ ‬بل‮ ‬إن‮ ‬هذه‮ ‬المصالحة‮ ‬الثقافية‮ ‬هي‮ ‬بمثابة‮ ‬الإسمنت‮ ‬المسلح‮ ‬الذي‮ ‬يحمي‮ ‬الأمة‮ ‬من‮ ‬مختلف‮ ‬الهزات‮ ‬الارتدادية‮ ‬التي‮ ‬تنبعث‮ ‬من‮ ‬عمق‮ ‬أزماتنا‮ ‬السياسية‮.‬

لم يكن بمقدورنا، نحن الجزائريين، أن ننطلق في ثورتنا التحريرية لو لم نحقق بين أنفسنا تلك المصالحة الوطنية بين مختلف ألوان الطيف السياسي الذي كانت تزخر به الحركة الوطنية منذ العقد الثالث من القرن الماضي.ها هو الروائي الجزائري الكبير الطاهر وطار، وهو يطل على الجزائر العميقة من خلال مذكراته، كأنما يكتب للأجيال الحاضرة وصيته السياسية، هو لم يكن يكتب يومياته مثلما يفعل السياسيون المتقاعدون أو المقعدون حينما لا يجدون ما يفعلون!، ولكنه قد كان يكتب تاريخ الجزائر‮ ‬التي‮ ‬تنبعث‮ ‬من‮ ‬الرماد‮ ‬مثل‮ ‬طائر‮ ‬العنقاء‮!!!.‬

إن الطاهر وطار، هذا الجزائري القادم من الجزائر العميقة والذي وجد نفسه مسلوبا حتى من لغته التي يتواصل بها مع بني وطنه، قد كان بمثابة سيزيف وهو يدحرج الصخرة إلى قمة الجبل، ولم يكن هذا السيزيف الجزائري غير ذلك برميثيوس الذي سرق النار المقدسة.إن‮ ‬نار‮ ‬الجبل‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬تتحول‮ ‬إلى‭ ‬نور‮ ‬يمزق‮ ‬ظلام‮ ‬الاحتلال‮ ‬حتى‭ ‬ينبعث‮ ‬نور‮ ‬الحرية‮ ‬والاستقلال‮.‬

لقد استطاع الطاهر وطار من خلال كتاباته الأدبية ومواقفه السياسية، أن يجسد تلك الشخصية الثقافية المسيسة أو تلك الشخصية السياسية المثقفة التي نفتقر إليها في ساحتنا السياسية والثقافية معا. لم يكن مناضلا في المعارضة ولا مسؤولا في السلطة. بل كان يعارض السلطة وهو‮ ‬فيها‮ ‬وكأنه‮ ‬ليس‮ ‬منها‮! ‬وكان‮ ‬يتسلط‮ ‬على‭ ‬المعارضة‮ ‬وكأنها‮ ‬ليس‮ ‬منها.

هذا الرجل السياسي المثقف أو هذا الرجل المثقف المسيّس، اختار الطريق الثالث لنفسه وسار على دربه ثلة من الحواريين، كل من يتحدث إلى الطاهر وطار يشعر أنه منه لكنه سرعان ما يشعر أنه ليس معه. هو هكذا واحد منّا وليس معنا! هكذا هو وحيد الخلية يتواصل مع نفسه لكي يتكاثر‮ ‬بغيره‮! ‬عنيد‮ ‬جدا‮ ‬مثل‮ ‬الحلزون‮ ‬وخرافي‮ ‬أكبر‮ ‬من‮ ‬الديناصور‮!‬

أراه… هذا الحزب وحيد الخلية! هذه السلطة متعددة الخلايا، استطاع أن يجمع في ذاته غيره من غير أن يكون نسخة لغيره. ومثلما يرفض أن يكون أبا لأحد، يرفض أيضا أن يكون إبنا لأحد! هو هذا اللاز الذي يتجلى في مقامه الزكي في هيئة الولي الطاهر وهو يرفع يديه بالدعاء. فاحفظ‮ ‬اللهم‮ ‬عمي‮ ‬الطاهر،‮ ‬رجل‮ ‬المصالحة‮ ‬الثقافية‮ ‬في‮ ‬الجزائر‮!.‬

بقلم‮: ‬بكي‮ ‬بن‮ ‬عامر

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!