الطريق إلى دمشق..
إنها الشام.. لا يشقى الراحلون إليها ولا يضلون الطريق.. فمناراتها على قمم التلال والجبال تهدي الغريب الحيران وتفتح ذراعيها ملء الفضاء تضم إليها المسكين والمشرد والمحزون والعاشق لمكان ليس كالأمكنة.. إنها الشام، لكم تركت ما لقيصر لقيصر، ليس خوفا منه ولكن لتنصرف إلى درب الله.. تصنع الحياة جمالا ورونقا فكانت عاصمة الإنسان الأولى ومحاولته بناء المدينة والخروج من التوحش فتنزلت عليها بركات الله خيرا ووفرا وإيمانا وراحة بال.. إنها الشام درة الأرض وبوابة السماء وما يليق لتعايش الإنسان مع أخيه الإنسان بغض النظر عن معتقده ومنحدره.. فكانت بحق أرض الإنسان المثالية.
من هنا فقط يمكن أن نفهم لماذا هذا الحجم من الشر يتوجه إلى صدرها؟؟ الغرب الرأسمالي الإمبريالي كله والخائفون من كل صيحة عليهم الكارهون لخير الأمة والأفاقون من المرتزقة والدجالون المسمسرون بالدين الذين يبغونها عوجا.. ظلام خلفه ظلام كقطع الليل.. شن الشر ـ الخراب هجومه على الشام من كل الجبهات فلم يستطع أن يصمد في المعركة أنصاف الأصدقاء ولا مدعو محبة دمشق الرعاديد ولا أولئك الراقصون على الحبال.. وطالت أيام الملحمة وأرخت على الدنيا سدولها فتساقط المهازيل وتماهى الجبناء في الخوف المجنون. وظلت الشام تسمو بعنقها إلى السماء مدماة بكبرياء تعلن ألا تنازل عن شرف فلسطين ولا مد يد للعدو المتغطرس المجرم.. ظلت دمشق وهي ترى كيف تتقطع أوصالها بسكين الفاشي تكظم المها وتصر على أنها لن تغير العناوين ولن تخضع لمنطق الطاغوت.
أجل إنها الملحمة التاريخية الكبرى.. من كل بلاد الناس جاء الهمج يحاربون دمشق.. من كل بلاد الناس وكأن ليس لهم في بلادهم قضايا وكأن ليس من قضية إلا حرق دمشق ونفي الشام من خارطة العرب والإسلام.. جاؤوا بالسيف والسكين لا ثقافة لهم الا الذبح ولا منهج لهم إلا التدمير ولا لغة لهم إلا التكفير والقتل.. وكان على دمشق أن تختار إما الموت قتلا وشنقا وحرقا وإما أن تفتح أراضيها للغاز القطري كي يغزو أوروبا وللعم سام الأمريكي كي يرتب المنطقة تماما ولسياسات دول هشة لا تجد لها قوة إلا بحروب طائفية مشبّعة بالجهل والارتماء في حضن الأجنبي.. فكان رد دمشق أن هناك صراطا آخر غير هذين السبيلين.. هناك درب العزة والكرامة والصمود والإرادة الحقة.. هناك درب التواصل مع خط الأنبياء والصالحين والمرابطين الذين جعلوا من الشام مقبرة للظالمين.. فكان الصمود وكان الرباط وكانت دمشق.
وكان صمود دمشق نيابة عن كل حر شريف على وجه الأرض نيابة عن أحرار أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا وشرفاء أوروبا. كما أنه هو بوابة انتصار كل أصدقائها وحلفائها.. وكل من وقف مع دمشق إنما هو في حقيقة أمره احتمى بها.. صانت عهودها فردت الأمريكان عن إيران وصدت الغرب عن روسيا وحافظت على شرف المقاومة في لبنان وحمت فلسطين من أن يتمدد أصدقاء إسرائيل في ربوع الشام..
إنها دمشق هنيئا لكل من رابط على طريقها والتزم بجمالها ورونقها وتعسا لكل من أكلته الغيرة منها فذهب لإحراق بساتينها، وبُعدا للمنهارين الساقطين في وسط الطريق المنحازين لأبي رغال.. إنها دمشق ولا أحلى ولا أبهى ولا أجمل.. ورغم الدمار ستتثاءب قريبا من تحت الحطام تفرد ذراعيها كعاداتها العتيقة لمحبيها الخائفين عليها وهي تملأ الكون بأريج ياسمينها ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.. تولانا الله برحمته.