الطلاق الذي أربك أمة الدجال
أخيراً فعلها “شعيب لخديم” البريطاني بإخراج بريطانيا العظمى من مصفوفة الدجال الأوروبي، وألحق بالمنظومة النموذجية للعولمة ضربة موجعة قد تهيِّئ لحقبة تفكيك متدحرج للاتحاد الأوروبي وربما لتفكيك كثير من الكيانات القُطرية فيه، وما كان في البداية مجرد “لعبة سياسوية” من رئيس الوزراء البريطاني كامرون لابتزاز الشركاء في الاتحاد، ومشاغبة معارضيه داخل الحزب، وتحجيم قوى اليمين البريطاني الصاعد، تحوّل إلى زلزال “تكتوني” يتوقع له أكثر من راجفة تتبعها رادفة.
الارتباك الذي ظهر على قادة الاتحاد الأوروبي والنخب الحاكمة في بريطانيا يشير إلى أن هذه النخب الخادمة للأوليغارشية المالية لم تكن تنتظر ردة فعل من شعوبٍ غربية كانت تعتقد أنها ممسوكة بإعلام مدجَّن، ومنظومة محكمة من سياسات الترغيب والترهيب، وبنخبة سياسية بارعة في صناعة الرأي العام، فإذا بالانتفاضة المستبعدة تنشأ في جزيرة الدجال، وبيت ماله الأول، وعرشه الذي لا تغيب عنه الشمس.
ساعة قبل الإعلان النهائي عن نتائج الاستفتاء على الـ”Brixit” (خروج بريطانيا) كانت مختلف استطلاعات الرأي تبشر بهزيمة معسكر الخروج، وكان أرباب الأوليغارشية الأوروبية يحضّرون رسائل التهنئة المتبادلة قبل أن تحبطهم النتائج النهائية التي لم تحسم فقط خروج خامس اقتصاد عالمي من منظومة الاتحاد، بل تكون قد دقت المسمار الأول في نعش الاتِّحاد، وفتحت “علبة باندور” في عموم أوروبا لعملية تقسيم مفتوحة قد تحوِّل دولا مثل فرنسا، وإسبانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، إلى أرخبيل من الإمارات العرقية تستنسخ جغرافية وثقافة زمن الإقطاع الأوروبي.
إخراج الناخب البريطاني لبلده من الاتحاد أحبط بالمعية مشروعا آخر لـ”العقب الحديدي” كان يعمل منذ أكثر من عقد على خلق فضاء أوسع من الاتحاد، يشمل عموم دول الحلف الأطلسي عبر اتفاقية للتبادل الحرّ بين مجموعة “NAFTA” والاتحاد الأوروبي، كان الأمريكان يعوّلون فيه على بريطانيا كجسر يربط القارتين. مشروع يكون انفصال بريطانيا قد أحبطه أو على الأقل عوّقه لعقود قادمة.
غير أن ما يعنينا نحن في الضفة الجنوبية من هذا الطلاق أن تداعياته سوف تشغل الغرب المستكبِر لفترةٍ في لملمة جراحه وربما مراجعة سياساته العدوانية التي عملت بالحديد والنار على تقسيم المقسَّم من دولنا ومجتمعاتنا، كما قد تفتح عيون المنبهرين منا بهذا النموذج الغربي على ما بدا للناخب البريطاني فيه من عيوب وتهديدات، وحمله على الخروج الطوعي من الفردوس الأوروبي المزعوم.
مع محاولات الأوروبيين إخفاء الأسباب الرئيسة للطلاق، فإن التخويف من تفاقم الهجرة قد شكل محورا رئيسا لحملة “البريكسيت”، وما صنعته الحكومات الغربية بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو من فجّر أزمة تدفق اللاجئين، وما لم تساعد أوروبا في حلّ عادل للأزمات التي شاركت فيها بتفكيك دول بأكملها، فإن شعوبا أوروبية أخرى سوف تخضع لحملات التخويف، وتُستمال لأطروحات اليمين الأوروبي الشوفيني الذي قد ينجح في أخذ دول أوروبية أخرى نحو مسار الطلاق، خاصة وأن أوروبا لم تنجح حتى الآن في بناء سياسةٍ خارجية مستقلَّة عن الولايات المتحدة، تسمح لها بالبحث عن حلولٍ مشتركة ومُنصِفة مع جيرانها العرب في الجنوب، كما مع جيرانها الروس في الشرق.