الطيب والشرس والعنيد
قبل يومين من مباراة منتخب الجزائر الأخيرة في تصفياته الإفريقية ضد مالي كتبت في هذه الزاوية مقالا تحت عنوان الغرور يتسرب… احذروه.. وحرصت على الإشارة إلى بعض السلبيات التي ظهرت في أداء الخضر قبل يومين ضد إثيوبيا. وأشرت إلى أنني خائف على الفريق ولاعبيه من مسحة من الغرور تتسلل خلسة إلى صفوف الفريق.
وكان واضحا كالشمس لكل القراء أن الهدف من المقال هو إيقاظ أي لاعب أو مدرب أو مسؤول قد تسرب الغرور إلى نفسه ليعود إلى صوابه سريعا.
ولأن الأغلبية من قراء “الشروق“، الذين أتشرف بمتابعاتهم لمقالاتي الأسبوعية، على وعي تام بالنوايا والمقاصد الطيبة في كلماتي وبمحبتي الجارفة لأشقائي في بلدي الغالي الجزائر.. جاءت تعليقاتهم تحمل تلك المعاني النبيلة.
ولكنني أتوقف مع ثلاثة آراء مغايرة تباينت معارضتهم بين قمة الغضب الذي تحول إلى سخرية وبين قمة الأدب وما بينهما.. وتذكرت اسما قديما لفيلم سينمائي شهير يتحدث عن الطيب والشرس والعنيد، ولعلها فرصة لمكاشفتهم بمشاعري لعلهم يعودون عن آرائهم.
أولهم لم يذكر اسمه وكتب ردا على المقال: على العكس من ذلك الجزائريون هم أكثر الشعوب تواضعا في العالم.. والسبب واضح، تاريخهم المؤلم في الكفاح من أجل التخلص من العبودية والاستعمار.. أما المصريون فمعروف عنهم أنهم أكثر الشعوب في العالم تكبرا وغرورا بلا فائدة.
هذه هي كلماته التي استغربتها لأنني لم أتعرض للشعب الجزائري وتاريخه.. ولا أخفي سرا أنني لم ألتق في حياتي بأي جزائري إلا وأحببته من فرط الأدب والتواضع.
كما أن إقحامه لمصر والمصريين في تعليقه لم يكن ذا مبرر.
والقارئ الثاني واسمه سالم كتب بطريقة مهذبة ويستحق شكرا خاصا على أدبه الرفيع في اختيار كلامه: شكرا على الموضوع الشيق.. لكن أختلف معك لأن في قيم وتربية الجزائري لا مكان للغرور.. والحمد لله فنحن أحفاد الأمير عبد القادر.
وأكرر يا عزيزي سالم: لم أتعرض للشعب الجزائري وتاريخه.. ولكن الأمر يتعلق بفريق كرة قدم ارتفع شأنه كثيرا وانهالت عبارات الإشادة والمديح وهم بشر وأغلبهم فى سن الشباب.. وتسرب الغرور إلى عقولهم وقلوبهم أمر وارد.
وثالثهم اسمه “موحا” كما قرأته فقد كتب باللغة الفرنسية متحديا:
gagner la coupe d’afrique c’est dans la poche) va (on
أي أننا سنفوز بكأس الأمم الإفريقية.. وهى في جيبنا.
وهو تعليق يتماشى مع التحذير الذي أطلقته في المقال خشية تسرب الغرور.. وهاهو القارئ صاحب الرد يتكلم بغرور كبير ربما كان ضرره أكثر من نفعه.
أوجه الشكر جزيلا إلى القراء الثلاثة الذين اختلفوا معي في الرأي.. وأتمنى لو تمكنت من جذبهم ذات يوم إلى جانبي في الرأي في المرات المقبلة.
ولا أتفق أيضا مع الذين دعموني في تعليقاتهم واستشهدوا على صحة الرأي في المقال وعلى تسرب الغرور إلى اللاعبين بعد هزيمة الخضر الأولى في التصفيات في مالي.
في الواقع لا علاقة بين المقال السابق وبين هزيمة الخضر في مالي لأن المنتخب الجزائري المتأهل سلفا لم يكن لديه من الدوافع الجادة ما يواجه به فريقا مشحونا بكل أنواع الدوافع.. ويلعب على أرضه ووسط جمهوره ويتمتع بمجاملات تحكيمية تمنح كثيرا في إفريقيا لأصحاب الأرض.
وتلك النوعية من الخسائر لا ترتبط بالغرور ولكنها تتكرر في كل بلاد الدنيا ومع أقوى وأحسن المنتخبات عندما تغيب الدوافع تماما عن فريق وتذهب كلها إلى الفريق المنافس.. ولعلكم تذكرون خسارة البرازيل في الدور الأول لمونديال 1998 أمام النرويج بعد أن ضمن البرازيليون التأهل باكرا للدور التالي.
أعود إلى منتخب الجزائر الحالي.. وأراه الفريق الأقوى حاليا في قارة إفريقيا ولديه كوكبة ممتازة من اللاعبين الموهوبين أصحاب الخبرات العالية.. وهو المرشح الأول للتتويج بكأس الأمم الافريقية المقبلة الشهر بعد القادم في غينيا الاستوائية.. ولا أخفى سرا بأن نقل النهائيات من المغرب إلى غينيا الاستوائية جاء في مصلحة الدول المتطلعة إلى اللقب وعلى رأسها الجزائر.
ولكن التتويج الإفريقي لن يتحقق بالترشيحات ولا بالمقالات.. وكم من منتخب ذهب إلى النهائيات مرشحا للفوز وعاد بخفي حنين.. وآخرهم منتخب غانا في البطولتين الماضيتين.
نهائيات الأمم الإفريقية مسابقة صعبة وتحتاج تركيزا فائقا وعطاء وإخلاصا من كل عناصر الفريق.. وتستوجب احتراما أكبر لكل الفرق المنافسة.
ثقتي في الخضر كبيرة.. وخوفي عليهم من الغرور لم يتبدد.