العبث الثقافي في جزائر المفارقات
مفارقات الجزائر الثقافية هي نفسها المفارقات السياسية الفظيعة التي مازالت تؤكد خواء الخطاب المناسباتي الغارق في مخادعة عبثية وسريالية غير محدودة العواقب. كل متمعن نزيه وشريف سواء كان ناقدا أو صحفيا أو مواطنا عاديا يعرف أن كل المكاسب الثقافية والفنية التي تحققت منذ الإستقلال قد تراجعت ومنها ما اندثر كلية، وبدل تعزيز ثمار المؤسسات التي خلفت نتائج إيجابية في مختلف المجالات الفنية، تم فسح المجال للنشاط الفلكلوري المتمثل في مجموعة من المهرجانات التي تصرف فيها الملايير ولا تترك أثرا يذكر من منظور الفعالية البعيدة والعميقة الأثر.
راودتني هذه الفكرة وأنا أتابع حفل افتتاح مهرجان الفيلم العربي في وهران بحضور وزير الثقافة ووزير الإعلام العارفين بمدى تدهور قطاعي السينما والمسرح في الجزائر خلال الأعوام الأخيرة نتيجة غياب أبسط تصور لاستراتيجية تكوين بأتم معنى الكلمة .
المهرجانات والمعارض والندوات والمحاضرات والملتقيات في العالم بوجه عام تعد تتويجا لإنتاج إبداعي لا معنى له إذا لم يتبنه المجتمع بالقراءة في الأوساط العامة والخاصة على السواء من ناحية، وإذا لم يساهم في مجاراة وتجاوز الواقع بالنقد والاستقراء والاستشراف من ناحية أخرى.
نحن أصبحنا ننظم صالونات كتب في ظل سيطرة دخلاء لا يختلفون في الجوهر عن الدخلاء في مختلف المجالات تحت رداء الولاء السياسي الأعمى وغير المسبوق، وهو الولاء الذي تجاوز بكافكاويته فترة الحزب الواحد، وقول ذلك لا يعني المناداة بعودة العهد السياسي بشكله الأرثوذوكسي القديم، لكن يعني أن ذلك العهد كان يحمل مصداقية من منظور الإنسجام مع خطاب المرحلة وأكثر تنوعا على الصعيد الإيديولوجي والثقافي، والتيارات التي عرفتها المجالات الفكرية والفنية.
وحينما يتحول الكثير من المحسوبين على النشر إلى دكانجية فظيعين يمكن الحديث عن مأساة وطنية حقيقة، وخاصة إذا قارنا مستوى معظم المنتسبين للكتاب ببعض مهنيي النشر في البلدان العربية وحتى لا نقول في العالم. إن نوعية القطاع الخاص عند الجارتين المغرب وتونس في مجالات السينما والمسرح والنشر تكفي لتأكيد صحة ذلك، في الوقت الذي تراجعت فيه القطاعات المذكورة في بلادنا رغم صالونات ومهرجانات البهرجة.
الولاء السياسي الأعمى الذي يمارسه دخلاء كثر أصبح اليوم المدخل الأول والأخير للممارسة الثقافية المكرسة في حلة بلاطية حديثة. في الماضي كان الولاء الإيديولوجي أكثر تنوعا في شكل جبهة انعكست نوعيا على الحياة الثقافية وهي الحياة التي جسدتها قناعات كتاب وفنانين ورسامين وإعلاميين كبار.
الطاهر وطار وبوجدرة ودودو وركيبي وحنفي وسعد الله ومزيان ونايت بلقاسم ومصايف وآخرون كثر خلدوا تلك الفترة، اما الأسماء الموهوبة الجديدة والمخضرمة فقد ضاعت في خضم تغييب ممنهج يقوده دخلاء وانتهازيون يفتقدون للكرامة والصدق ولأبسط أبجديات الإيمان الإيديولوجي والمعرفة والأخلاقيات المهنية.