الرأي

العدوان على فنزويلا.. وسقوط الحداثة الغريزية!

لا مفاجأة في إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على انتهاك سيادة دولة فنزويلا، ودوْسها على كل مواثيق ومؤسسات الشرعية الدولية، بالهجوم العسكري على منشآت حيوية في البلاد، ثم اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، رفقة زوجته، ونقلهما جوّا إلى واشنطن، تمهيدًا لمحاكمة صوريّة، عن تهم مفبركة بعنوان المخدرات، سيكون القاضي والخصم فيها هو “البيت الأبيض”.
من نافلة القول الإشارة إلى أنّ كل ما يسوقه المسؤولون الأمريكيون والأوروبيون حول اختطاف رئيس دولة من غرفة نومه هو أسطوانة ممجوجة تعوّد الرأي العام العالمي على سماع شبيهاتها في وقائع سابقة للخروج على مبادئ المجتمع الدولي، لكنها صارت حاليا أكثر مأساوية واحتقارًا للإنسانية في تكريس شرعية القوة المطلقة، في عالم متوحش تحكمه “قواعد الغاب”، لم يعُد يأبه طُغاته الدولتيُّون بكل الشعارات القانونية والأخلاقية القديمة، بل تركوها كـ”نظريات مزيّفة” لتنويم الشعوب والدول المضطهدة عبر الكرة الأرضية، حتى تستكين أكثر إلى أوهام السلام والمؤسسات الوظيفية للأمم المتحدة.
من المعلوم أن سياسة واشنطن الخارجية، مهما كان التوجّه السياسي للرئيس في البيت الأبيض، حيث ترتكز أساسًا على معادلة واحدة بثلاث محددات، تتعلق رأسًا بمعطى الأمن القومي (وهو يتجاوز عمليا الحدود الوطنية إلى آخر بقعة جغرافية لمصالح الدولة على وجه الكون)، وضمان حماية الكيان الصهيوني وتفوّقه المطلق في الشرق الإسلامي ثم تأمين مصادر النفط وممراته لتموين أمريكا.
أما خطابات الدفاع عن حقوق الإنسان والتدخل الإنساني وحماية الديمقراطية، فهي كلها مفتريات جاهزة للتخلص من الأنظمة غير الموالية لخدمة الأجندات الأمريكية والأوروبيّ، وكم جاءت سخيفة تصريحات مفوضة السياسات الخارجية بالاتحاد الأوروبي، عقب اختطاف مادورو بقولها: “أكدنا مرارا أنه يفتقر للشرعية، ودافعنا مرارا عن انتقال سلمي للسلطة”.
لكن إذا كانت المسرحية هزلية إلى أبعد الحدود، ومكشوفة أمام الجميع، ولا يستحي عرّابوها من ممارستها بسادية جنونية، فإنه ينبغي للآخرين استلهام الدروس والعبر من رسائل صريحة تفضح كل المُبطنات في لعبة الأمم، حيث تغدو المبادئ المتستّر بها مجرد شعارات رنّانة للتغطية على منطق القوة غير الأخلاقية.
إنّ كل ما تسّوقه الدولة الحداثية الغربية عن نفسها من مبادئ الإنسانية والتنوير وحقوق الإنسان والديمقراطية كذبة كبرى عندما يتعلق الأمر بموقفها من الآخرين، أين تقفز المصالح الضيقة إلى واجهة القرار، وتصبح المحدد الوحيد في ضبط العلاقات مع كل الأطراف، لذلك نجد الغرب يدعم أنظمة شمولية كثيرة عبر العالم، يُقدّر في بقائها خدمةً لمصالحه الخاصة، بينما يطيح بقادة مارقين عنها، بعيدًا عن مؤشر الشرعية الداخلية، مع أن هذه الأخيرة لا تسوّغ في كل الأحوال ما يسمى بـ”التدخل الديمقراطي”، لأنه مناقضٌ تمامًا للمبدأ الدولي المتعارف عليه باسم “الاستقلال الدستوري” وسيادة الدول.
هذا يعني ببساطة، أن تلك “الدول الغريزية” ليست مؤهلة لإعطاء دروس ديمقراطية لأحد، فهي غير جديرة من الأساس للتصرف نيابة عن الشعوب في الدفاع عن تقرير مصيرها، مثلما أنّ شهادات “حُسن السلوك الديمقراطي” الصادرة عنها لا تجزئ في إضفاء شرعية مصطنعة على الأنظمة الوظيفية، ومن السذاجة الاتكاء على مديحها السياسي في تجاوز الواقع الوطني داخل أي بلد.
ذلك ما يقودنا إلى الإقرار مرة أخرى بأن بناء المجتمعات المتلاحمة شعبيا ومؤسساتيا، عن طريق تكريس دولة الحق والقانون والمواطنة والإرادة الجماعية السيدة في ممارسة السلطة وتنظيم انتقالها بسلاسة، هو الضمان الحقيقي للاستقرار وصدّ كل المخاطر الخارجية.
إذا كانت وقائع التدخل الأجنبي السافر في شؤون الدول، خاصة بذريعة افتقاد الشرعية السياسية، مرفوضة بكل المعايير، فإنه من المؤسف أن تجد صداها وأعوانها وقنّاصيها في الداخل، للركوب على ظهر الخيانة، بسبب حالة القطيعة بين النظام السياسي وعمقه الشعبي، ومحاولات إدارة الشأن العام بسياسة القبضة الحديدية.
سيظل مسعى تقوية الجبهة الداخلية بالسياسات الراشدة والانتقال إلى منطق الدولة المؤسساتية والقانون هو جدار الصدّ الأول الكفيل بتسييج السيادة الوطنية ضدّ كل المؤامرات الخارجية والأطماع الأجنبية، ولن تجد أي دولة في العالم، مهما بلغت من التقدم والقوة، مثل تماسكها الوطني حصنًا منيعًا في وجه العواصف والأحداث الخطيرة من حولها.
ختاما، تشير كثير من القراءات التحليلية لما جرى في كراكاس إلى أن الوضع يرتبط بترتيبات في صراع الأقطاب، تحسّبًا لأحداث جسام قد تشهدها البشرية قريبًا، حيث لا مكان للصغار على طاولة الشطرنج العالمي إلاّ في موقع الضحايا، وهو ما يزيد من عبئ المسؤولية على عاتق النخب الحاكمة والسياسية والمستقلة في ضبط بوصلة المستقبل، بالتركيز على مراكمة القوة، بكل تجلياتها وأشكالها، في مسار بناء الدول، عوض إهدار الوقت والإمكانات في معارك التنازع على الحكم والنهب والامتيازات، لأنّ العالم يزحف بسرعة نحو نهايات صادمة، تكرّس أكثر منطق البقاء للأقوى.

مقالات ذات صلة