العربة تسبق الحصان !
غريبٌ ما يجري هذه الأيام على مستوى وزارة التربية الوطنية، فيما يُسمّى بإصلاح امتحانات البكالوريا، من خلال استهداف مواد الهوية الوطنية وترشيحها لتسقط من الامتحانات بدعوى تقليص أيام البكالوريا من خمسة أيام إلى ثلاثة أيام تحت مبررات مختلفة منها أن الأيام الخمسة مرهِقة للمترشحين، وبدعوى التقشف وتقليص المصاريف تماشيا مع التوجه العام في البلد.
والأغرب منه أنّ الوزارة وفي سعيها لتنفيذ ما يُسمى بإصلاحات الجيل الثاني قفزت على كل المراحل وبدأت بالتغيير في امتحانات البكالوريا قبل الشّروع في التّغيير على مستوى البرامج والمناهج، وهو عبثٌ غير مسبوق إذ لا يُعقل أن تسبق العربةُ الحصانَ الذي يجرّها، وإلا ما معنى أن يطال الإصلاح البكالوريا قبل أن يطال المناهج والبرامج؟!
ثم ما مشكلة وزيرة التربية نورية بن غبريط ومحيطها مع مواد الهوية الوطنية المتمثلة في اللغتين العربية والأمازيغية، ومادة التاريخ والتربية الإسلامية؟ ولمَ يتم الحديث في كل مرة على مقترحات بتقليص تدريس التربية الإسلامية وإلغائها في امتحانات البكالوريا؟ وهل نحن أمام مشروع تغريبي يستهدف عناصر الهوية الوطنية من خلال استئصالها من المدرسة الجزائرية؟
هناك تفسيران لما تقوم به الوزيرة بن غبريط، وهما إما أنها تنطلق من تشخيص خاطئ ولذلك تأتي بحلول خاطئة للمعضلات الموجودة في المدرسة الجزائرية، وإما أنها تنطلق من تشخيص معروف وهو أن المدرسة هي التي تنتج التطرُّف والإرهاب وبالتالي لابد من استهداف التّربية الدينية ومحاصرتها، وهنا لا بد من وقفة أمام هذا البعد الإيديولوجي في تعامل الوزيرة مع قضايا التربية.
لقد انتهى عهد الحروب الإيديولوجية على المدرسة منذ سنوات، ولم يعد للصراع الإيديولوجي معنى حتى على السّاحة السياسية، وما يحدث في المدرسة هو استدعاء لهذا الصراع، وإعادة إحيائه، وهذا بالذات ما تفعله الوزيرة بن غبريط من خلال القرارات والإجراءات التي تتخذها في السر أحيانا وفي العلن أحيانا أخرى.
أما النّقابات وجمعيات أولياء التلاميذ التي شاركت في اللّقاء التشاوري حول إصلاح البكالوريا ولم تسجل موقفا قويا من التلاعبات الجارية بمواد الهوية، فعليها أن تدرك أن فصل الجيل الجديد عن هويته هو فعلٌ خطير يستهدف مستقبل هذا البلد. والتزكية ولو بالصمت لما تقوم به الوزارة هو عملٌ مدان وسيبقى وصمة عار على صاحبه.