الرأي

العشر الأواخر واستعادة الخشوع الضّائع

سلطان بركاني
  • 111
  • 0

إضاعة الخشوع في الصّلاة وفي الحياة، داء يعانيه كثير من المسلمين في هذا الزّمان، لكنّ قليلا منهم يحملون همّ مداواة قلوبهم وأرواحهم من هذا الدّاء الخطير. وربّما تتوالى أيام رمضان على العبد المؤمن، ويصلّي التراويح في المسجد، ويسمع آيات القرآن تتلى بأعذب الأصوات، لكنّه لا يجد للخشوع أثرا في قلبه وروحه، ولا يتحسّر لقسوة قلبه وغفلة روحه عمّا يطرق سمعَه من آيات لو أنزلت على جبل لصار ترابا.

إنّه لحقيق بنا ونحن نعيش ليالي العشر الأواخر من رمضان، أن نتلمّس أحوالنا ونسأل أنفسنا: من منّا تألّم وتحسّر لأنّه لا يخشع في صلاته؟ من منّا يخشى أن تردّ عليه صلاته لأنّه أضاع خشوعها؟ من منّا بكى لذلك؟ الواحد منّا إذا استطاع أن يصلّي الصّلوات الخمس في أوقاتها ظنّ أنّه قد أدّى ما عليه، فيرضى عن نفسه وينسى أهمّ ما تقوم عليه الصّلاة: الخشوع… ربّما يسمع الشابّ موعظة عن المحافظة على الصّلوات في أوقاتها فيلين قلبه ويتوب إلى الله من إضاعة الصّلاة، ويصلّيها لوقتها أياما أو أسابيعَ، ثمّ يعود إلى ما كان عليه… لماذا؟ لأنّه لم يذق بعدُ لذّة وحلاوة الخشوع في الصّلاة، ولم يدرك أنّه لا تزال أهمّ حتّى تتحوّل الصّلاة إلى قرّة لعينه وجزء من حياته.

الخشوع في الصّلاة، هو جنّة الدّنيا والآخرة، يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: “إنّ في الدّنيا لجنّة من لم يدخلها لم يدخل جنّة الآخرة”، فأيّ غفلة وأيّ حرمان أعظم من أن يحرم العبد نفسه دخول هذه الجنّة؟ يشكو العبد ضيق المعيشة، وكثرة الأحزان، وتفاقم الهموم والغموم، والحلّ بين جنبيه؛ إنّه الخشوع في الصّلاة، يقول أحد الصّالحين: “إنّه لتمرّ بالقلب ساعات يكاد يطير فيها من الفرح”. إنّها السّعادة التي لا تكدّرها ولا تعكّر صفوها هموم الدّنيا وغمومها، السّعادة التي جعلت أحد الصّالحين يقول: “إنّي لأدخل في الصّلاة فأحمل همّ خروجي منها”؛ يتمنّى ألاّ تنقضي الصّلاة، يتمنّى أنّ لحظات حياته كلّها صلاة… فكيف يرضى عبد مؤمن لنفسه أن يدخل في الصّلاة وهو يتمنّى أن تنقضي بسرعة، إذا صلّى خلف الإمام استطال قراءته وركوعه وسجوده، وإذا صلّى وحده نقرها نقر الغراب. ما الذي فعله هذا العبد بنفسه؟ إنّه مهما جمع من أموال ومتاع فلن يجد السّعادة التي يجدها إذا صلّى ركعتين بخشوع وخضوع لله تعالى، يحسّ فيهما أنّ روحه تصّعّد في السّماء إلى الملكوت الأعلى، يحسّ أنّه قريب إلى ربّه ومولاه، يشعر بالحاجة إلى البكاء من شدّة الفرح. يتمنّى المزيد من تلك السّعادة، يشعر بطعم الحياة الحقيقية حياة الرّوح التي تسعد باتّصالها ببارئها وخالقها.

لستُ أدّعي لنفسي ما أصفه لك، ولكنّي أدعو نفسي وأدعوك لنجاهد قلوبنا ونستعين بالله وندعوه أن يرزقنا الخشوع في صلاتنا وفي حياتنا. العشر الأواخر فرصتنا لوضع أوّل خطوة على طريق الخشوع فلا ينبغي أن نفوّتها… لنجعل الخشوع هدفا من أهدافنا في هذه الحياة، ولا ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا إلا ببلوغه أو الموت على طريق طلبه.

مقالات ذات صلة