-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العقال من الرجل إلى الرأس

العقال من الرجل إلى الرأس

لا يرتاب أحد في معرفة الإمام محمد البشير الإبراهيمي الواسعة لتاريخ العرب، والافتخار بهم، والإشادة بسجاياهم النبيلة من كرم، ومروءة، ونجدة، والتغني بأدبهم شعرا ونثرا وأمثالا، وقد أفضت هذه المعرفة العميقة به إلى حبه لهم حبا جما إلى درجة “الجنون” حتى وصف نفسه بأنه “مجنون هذه الأمة العربية”. (آثار الإمام الإبراهيمي. ج4. ص 225).

ولكن هذا الحب لم يمنع الإمام الإبراهيمي من أن ينتقد أخلاف أولئك الأسلاف، لأن الأخيرين لم يكونوا على صورة أسلافهم، خاصة بعدما منّ  الله –  عز وجل – عليهم، وأكرمهم، فبعث فيهم – وفي العالم – رسولا منهم، هو سيدنا البشر أجمعين قديمهم وحديثهم وإلى يوم الصاخة. 

لقد هجا الإمام الإبراهيمي هؤلاء العرب هجاء مقذعا لم يهجهم به أعدى أعدائهم، ولم يكن هذا الهجاء للعرب المعاصرين عن كره لهم، أو بغض، أو حسد، أو تنكر، ولكنه كان غيرة عليهم، وحسرة على ما آلو إليه من تشتت، إلى درجة استعمال عدوهم لهم ضد بعضهم. 

لقد كان أمل الإمام الإبراهيمي ورجاؤه وعمله من “عهد التمائم إلى عهد العمائم” هو أن ينهض العرب من سباتهم، وأن يفيقوا من غفلتهم، وأن يدركوا ما يكاد ضدهم، وما يتربص بهم، وما يراد منهم، فهجاهم هجاء مرا عساهم يعودون سيرتهم الأولى، ويعرفون صديقهم من عدوهم.. ومما قاله الإمام الإبراهيمي في هجاء هؤلاء العرب قوله: “وضع الأجداد العقال للرجل فنقلته الأحفاد إلى الرأس، وعدلوا به من الأباعر إلى الناس، وما بين النقل والنقل ضاع العقل”. (آثار الإبراهيمي ج3 ص 526)..

لقد شهد العالم، بمن فيه الفرنسيون، بمن فيهم دوغول أن الشعب الجزائري كان عظيما، ولا يساويه في هذه العظمة إلا الشعب الفلسطيني الحر المجاهد الذي يعاني من أصحاب “العِقال” أكثر مما يعاني في ميدان القتال.  

عادت بي الذاكرة إلى هذه المقولة للإمام الإبراهيمي وأنا أسمع وأقرا ما تفوّه به أحد عرب هذا الزمان “شيخ إمارة الشارقة”، الذي تجنى به على الحقيقة الكبرى، فرددّ كلام مجرم كبير هو الجنرال دوغول، ومن حوله من المجرمين، ومن الإمّعيّين من بني جلدتنا، الناطقين بلساننا، من أنه “منح” الاستقلال للجزائر، إكراما لـ “صنم” بعض العرب، جمال عبد الناصر.. 

حدّثني أحد الأصدقاء عما قاله هذا “الشيخ” فأخبرته عما كنت عازما على كتابته عن “صاحب السمو” هذا، فحاول أن يثنيني عما اعتزمته لمركز “الشيخ” وما “يملك” مما قد يؤدي إلى “الاحتجاج” على الجزائر، فقلت له: أنا لا أمثل الجزائر “رسميا”، فلا أحتل أي منصب كبُر أو صغُر، ولكنني أشعر وأعتقد أنني أتحدث باسم كل حر، وشريف، ووطني من الجزائريين من جنوب الجزائر إلى شمالها، ومن غربها إلى شرقها، ولن أقبل من أي شخص وأسكت عن أي كائن مهما يعل منصبه، أو يكثر ماله أن يستهين بشعبي أو يستقل ما قدمه من غالي الأرواح، وزكيي الدماء في سبيل استرجاع استقلاله، واسترداد كرامته، واستعادة دولته.. إن مما قاله دوغول لصديقه ووزيره للثقافة أندري مالرو، كما سجله هذا في كتابه “سقوط السنديان”: “إن أعظم مجد في العالم هو مجد الرجال الذين لم يستسلموا”. (ص 55) . وقد شهد العالم، بمن فيه الفرنسيون، بمن فيهم دوغول أن الشعب الجزائري كان عظيما، ولا يساويه في هذه العظمة إلا الشعب الفلسطيني الحر المجاهد الذي يعاني من أصحاب “العِقال” أكثر مما يعاني في ميدان القتال. 

لو قرأت “أيها الشيخ المثقف” أو فهمت، “مذكرات الأمل” للجنرال دوغول نفسه لعلمت أن فرنسا أرغمت على الاستسلام – ولو لم يسمّه – بسبب “جهاد الشعب الجزائري”، الذي نقل جهاده إلى فرنسا نفسها، وجعلها “ولاية سابعة”، أقول: لو قرأت وفهمت تلك المذكرات لعرفت أن دوغول قال إن فرنسا كانت مهددة بأربعة أخطار جعلت منها “رجل أوربا المريض”. (مذكرات الأمل. ص 347)، وهذه الأخطار الأربعة هي: 

*) تمرد الجيش الفرنسي، وخطر قيام حرب أهلية تعصف به.. (ص 333). 

*) إفلاس الخزينة الفرنسية بسبب إنفاق فرنسا على حربها في الجزائر، “إلى درجة لم يبق لدينا في الأول من يونيو (1958) سوى ما يعادل 630 مليون دولار من الذهب والقطع النادر، أي قيمة ما نستورده خلال خمسة أسابيع”. (ص 154).. وقد انهار وضع فرنسا المالي إلى: “إما ظهور معجزة، أو الإفلاس”. (ص 154). 

*) عزلة فرنسا على المستوى الدولي، إلى درجة أن “العالم نسي صوتها”. (ص333). 

أفبعد اعتراف المجرم نفسه بما آل إليه، يأتي من يزعم باسم “شيخوخته” أو باسم “دكتوراته” أن دوغول “منح” الاستقلال للجزائر؟ ولو كان في ذلك مرددا لما قاله غيره ولو كان أندري مالرو، المعجب به من قبل الجنرال فبعضهم من بعض.. 

إن من يعرف أن “الجزائر كانت تحتل في حياتنا القومية أهمية لا مجال للموازنة بينها وبين بقية البلاد التي كانت تابعة لنا”، (ص 49 من مذكرات الأمل) لا يمكنه أن يتركها لو لم يرغم على ذلك. وهل رأيتم أو سمعتم يا “سمو الشيخ” أن لصا ترك فصّا؟ 

لكم يا “سمو الشيخ” أن “تتفلسفوا” كما شئتم، في أي أمر شئتم، ولكن غير مسموح لكم يا “سمو الشيخ” أن تستهينوا بجهاد خاضه شعب لأكثر من قرن وربع قرن، وقد تعتذرون أن تجهلوا ما عاناه الشعب الجزائري، وما قدمه، ولكنكم غير معذورين أن تستنقصوا ذلك لأنكم لم تتعرضوا له، فلم تحسوه وتشعروا به.. إن هذا الذي “كبر” في صدرك يا “صاحب السمو” هو أكبر مجرم عرفته البشرية في التاريخ الحديث والمعاصر على الأقل، فهو الذي قُتل في عهده الأول أكثر من 45 ألف جزائري من الرجال العزل، والشيوخ العجز، والنساء المستضعفات، والأطفال الأبرياء في يوم وبعض يوم في يوم 8 ماي 1945، عندما كانت فرنسا تحتفل بنصر حقق جزءه الأكبر لها آباء وأبناء وأزواج أولئك القتلى الذين استأسد عليهم الذين لم يصمدوا أمام الألمان بعض يوم.. رغم خطهم الدفاعي الذي “لا يقهر” ما جينو. 

وإن هذا “الزعيم” “الإنساني” “النبيل” هو الذي استعمل جميع الأسلحة ضد الشعب الجزائري بما فيها القنبلة الذرية.. فضلا عما أمده به الحلف الأطلسي… فلو كان البحر مدادا لجرائم هذا “الإنسان النبيل” والأشجار أقلاما لتسجيلها لما استطاعت.. فيما “سمو الشيخ” احترموا – إذ لم تجاهدوا – جهاد غيركم. وأستسمح “سموكم” في أن أعيد على “سامي” مسامعكم كلمة إمامنا ونابغتنا محمد البشير الإبراهيمي الذي علمنا في الثلاثينيات “أن الحقوق التي أخذت اغتصابا لا تسترجع إلا غلابا” (آثار الإبراهيمي 1/283)، قبل أن يقول “صنم” بعض العرب: “ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”.. والكلمة التي أعيدها لأن الأمر إذا تكرر تقرر فهي: “وضع الأجداد العقال للرجل فنقلته الأحفاد إلى الرأس، وعدلوا به من الأباعر إلى الناس، وما بين النقل والنقل ضاع العقل”. والمقصود بكلمتي “النقل” هو النقل من الرِجل إلى الرأس، ومن الأباعر (جمع بعير) إلى الناس..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • ISRANES

    إذا كان عرب الجزائر الأقحاح الذين يشكلون اليوم نسبة 75%، حسب أدعائك أين كانوا في ثورة نوفمبر المجيدة حتى سمحوا للأقاية حسب تزويرك من أن تقود الثورة ، الم تعلم بأن الولايات الستة التاريخية هم من ابناء الشاوية و القبائل و أن الأغلبية الساحقة من الشهداء هم من الشرق الجزائري و بلاد القبائل و الهقار أما الأغلبية التي تتحدث عنها فأنجبت لنا بن قانة و عاجل لعجول و بوغراب و القائمة طويلة و الأرشيف الفرنسي فيه كثير من الروائح الكريهة التي تزكم الأنوف.

  • بدون اسم

    اذا كان ديغول اهدى الاستقلال الى الجزائر فلماذا لم يهده الى كورسيكا ًla corse"و لولا وجودالحركى لما بقي الاستعمار طويلا.

  • بختي

    75 % !!!! كيما قالوها ناس بكري جـــــــا البــــارح صبــــح ســــارح.... قبيلتان أعرابيتان تصبغ 376 قبيلة أمــــــــازيغية و تصبح الجزائر بقدرة قادر عربية ب75% ... عجب الله اعطينا عقلكم و طول نفسكم و خاصة وجهكم الصحيح!

  • سهيل

    جميلة سهيلة كثيرا ما جلبت انتباهي هاتوها و افرشوا لها الحرير