الرأي

العياشي عنصر… رؤية العالم وفلسفة الحياة

في ورقته الفكرية الموسومة «رؤية العالم وفلسفة الحياة»، يقدّم الباحث والبروفيسور، العياشي عنصر، مشروعا تأمليا-سوسيولوجيا يسعى إلى إعادة بناء الوعي العربي والجامعي عبر عقلانية نقدية منفتحة، ترفض الانغلاق الهوياتي، كما ترفض الذوبان في النماذج المستوردة. إنها محاولة واعية لتشييد فلسفة حياة جديدة تستند إلى العقل والعدالة المعرفية، وتطمح إلى أنسنة الفكر في زمن التباس المفاهيم، وتآكل المعايير.
فالأزمة في جوهرها تكمن في أنماط التفكير التي ما زالت أسيرة الجمود أو التبعية. من هنا، يضع البروفيسور العياشي عنصر الإنسان في مركز المعادلة بوصفه فاعلا اجتماعيا لا مجرد كائن متلق، قادرا على إنتاج المعنى وتوجيه التغيير من موقع المشاركة لا العزلة. العقل في نظره أداة للفهم وأفق للتحرر؛ إنه عقل اجتماعي ملتزم يُبنى على النقد لا على الإنكار، وعلى الفهم لا على الهدم. تلك هي العقلانية التي تتجاوز النزعة النخبوية نحو وعي واقعي يستوعب تعقيد العالم والإنسان معا، ضمن مقاربة بينية أو تكاملية تجعل من الفكر السوسيولوجي أداة لتحليل الواقع الجزائري المركّب في ضوء التفاعلات العالمية المتشابكة.
في هذا السياق نفسه، تتخذ الجامعة مكانة مركزية في تصوّر الأستاذ عنصر، إذ يرى فيها أكثر من مؤسسة بيروقراطية لإنتاج الشهادات؛ إنها فضاء للحرية والتعدد، ومختبر للجدل والنقد والإبداع. فغياب الرؤية المعرفية هو الذي جعل الجامعة تنزلق إلى رتابة التكرار، بينما الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخلها عبر ترسيخ ثقافة أكاديمية تقوم على الصرامة المنهجية، واحترام الاختلاف، والبحث عن الحقيقة دون دوغمائية. فالجامعة، في جوهرها، موضع إنتاج الوعي الاجتماعي، لا إعادة إنتاج الامتثال. وهي المجال الذي يُفترض أن يتكوّن فيه عقل نقدي حرّ قادر على مساءلة العالم لا استهلاكه، باعتباره معطى أو ناجزا.
وفي معالجته علاقة الدين بالمعرفة، يقدّم الأستاذ عنصر تصورا لما يمكن وصفه بالعلمانية المعتدلة؛ علمانية لا تُخاصم الإيمان ولا تخضع له، وإنما تصون الفضاء العمومي من تسييس الدين وتحويله إلى أداة للضبط، أو الهيمنة. إنها دعوة إلى التمييز بين الإيمان كقيمة روحية شخصية، وبين توظيفه كمؤسسة سلطوية. فالعلمانية، في فهمه، ضمانة لحيادية المؤسسات واحترام التعدد ولا تقطع مع الدين، بما يجعلها شكلا من أشكال العدالة المعرفية لا العداء العقائدي.
ويمتد هذا الوعي المتوازن إلى نظرته إلى العالم؛ فأن تكون منفتحا لا يعني أن تكون تابعًا، وأن تحاور الآخر لا يعني أن تذوب فيه. أما في هذا الزمن، زمن العولمة المفرغة من المعنى، فيدعو الأستاذ العياشي عنصر إلى كونية بديلة؛ كونية إنسانية، تُبنى من موقع الندّ لا من موقع التبعية، حيث تصبح المعرفة سبيل الندية الثقافية لا مجرد وسيلة للالتحاق بركب الأقوياء. فالجزائر، إذا استعادت للعلم دوره المركزي في مشروعها الوطني، يمكنها أن تكون في قلب العالم لا على هامشه، لأن المعرفة هي الشكل الأرقى للسيادة والكرامة معا.
وفي خاتمة الورقة، تتبلور دعوة واضحة إلى التزام معرفي متجذر ومتجاوز، ليس فقط بوصفه مشروعا سياسيا أو حزبيا، ولكن كذلك باعتباره موقفا فكريا وأخلاقيا من العالم. فالمثقف، في هذا المنظور، مدعو إلى أن يتحمّل مسؤوليته التاريخية: أن يقرأ الواقع بعين النقد، وأن يعيد بناء المفاهيم، وأن يجرؤ على الإصلاح من داخل الهشاشة لا من خارجها. إنها فلسفة تؤمن بالإصلاح الهادئ لا الانفعالي، وبالانفتاح العميق لا الاستلاب، وبالعدالة المعرفية لا الامتثال القسري. إنها التزام بالحقيقة ولو كانت معقّدة، وبالإنسان ولو كان هشّا، وبالوطن ولو بدا بعيدا عن الحلم. وفي نهاية الورقة، تكشف رؤية البروفيسور عنصر عن رغبة عميقة في إعادة الاعتبار للعقل النقدي بوصفه الجسر الوحيد بين الإيمان والحرية، بين المعرفة والعدالة، بين الإنسان والعالم، في أفق تتصالح فيه الفلسفة مع الحياة، ويستعيد فيه الفكر معناه بوصفه فعلا من أفعال الأمل.

مقالات ذات صلة