الرأي

العين الساهرة لِـ”الأخ الكبير”

حبيب راشدين
  • 3116
  • 2

عندما يحتج الرئيس الفرنسي رسميا على الحليف الأمريكي، فنحن حتما أمام عرض مسرحي ليس إلا، لأن الحكومة الفرنسية كانت، مثل الحكومات الأوروبية، على علم ببرامج التنصت على المكالمات والتواصل عبر الأنترنت، بل إن أكبر مركز لتنصت الكتلة الأطلسية الغربية على العالم، كان مقره في مدينة “شيلتنهام”، وسط بريطانيا، تديره وكالة بريطانية تعادل الوكالة الأمريكية للاستخبارات، كان حسب جريدة “الغارديان” يمتلك القدرة على معالجة 600 مليون مكالمة ورسالة يوميا.

 

فالأمر كما نرى ليس جديدا، ولا هو حكر على الولايات المتحدة، فجميع الدول الكبرى أنفقت المليارات على أنظمة التنصت والتحكم على الهواتف والشبكة. كما أن تنصت الحكومات على مواطنيها ليس جديدا، ولم يكن نشاط المركز البريطاني مجهولا، فما الجديد الذي دفع هذه المرة بالحلفاء الغربيين للولايات المتحدة إلى الاحتجاج؟

في الحالة الفرنسية، يكون قد شق على هولاند، وعلى الزعماء الغربيين، أن يفتضح أمرهم أمام مواطنيهم، وكأنهم باتوا نسخا لزعماء دول العالم الثالث، تراقبهم العين الساهرة لـ”الأخ الكبير”. فمن منهم اليوم قادر على مضايقة الحكومة الصينية بشأن أنظمة مراقبة شبكة الأنترنت، إذا كان الجميع يتنصت على الجميع، وأن جميع ما يكتب ويتداول على الشبكات الاجتماعية والهاتف النقال، هو تحت الرقابة والتنصت والتسجيل والمعالجة، وأنه إذا كان مركز التنصت البريطاني يعالج في اليوم الواحد 600 مليون مكالمة ورسالة، فكم هي قدرة المركز الأمريكي الذي فضحه العميل سنودن؟ 

والحال هذه، فقد أصبح الكل يتجسس على الكل، وقد ازدادت الحكومات شراسة بعد أن منحتهم أحداث 11 سبتمبر فرصة مزاولة التنصت تحت “الراية الكاذبة” لما يسمى بالإرهاب، فيما كانت الحكومات الغربية تضع يدها على مكالمات واتصالات العالم، عبر الهواتف النقالة والأنترنت، لتصنع قاعدة بيانات فردية لكل إنسان يقول سنودن: إنه بوسع أية إدارة أمريكية أن تخرج في الجزء من الثانية وثيقة بيانات مفصلة عن كل فرد دخل منظومة الاتصالات. 

 فنحن إذن أمام حالة فاقت توقعات الأديب جورج أورويل في روايته “1984” التي أصدرها سنة 1949 ليستشرف فيها معالم نهاية القرن العشرين، ودخول حكومات الكتل الثلاث في حرب ضد مواطنيها، تعمل بأدوات الدولة الفاشية. وكل من قرأ الرواية، وقبلها رواية “العقب الحديدي” للأديب الأمريكي جاك لندن، لن يفاجئه ما كشف عنه العميل سنودن، لأن العالم هو كما وصفه كثير من أدباء علم الخيال، وتحديدا جاك لندن وجورج أورويل. فهذا الأخير هو مبتدع مصطلح “بيغ بروذر” أو “الأخ الكبير”. وقد استبق زمنه بتصور الأنظمة التكنولوجية لفرض مراقبة لصيقة  للأفراد من قبل الحكومات، كما كان جاك لندن قد صور العالم وهو يسقط تحت سيطرة “العقب الحديدي” لثلة من الأوليغارك من كبار الصيارفة المرابين، تخضع العالم لحكم فاشٍ يطول ليله لأكثر من ثلاثة قرون قادمة.

 

مقالات ذات صلة