العُري الفكري
هذا التعبير الذي أعجبني كثيرا، ويدل على حال أمتنا التي لم تعد تنتج من الأفكار شيئا ذا بال وإن خُيّل لبعض الناس أننا “منتجو أفكار” فما ذلك إلا “سرقة” لما ينتجه غيرنا إلا ما رحم ربي. قلت: هذا التعبير هو للسياسي السوداني منصور خالد.
لقد تولى هذا السياسي عدة مناصب عالية في السودان، شغل وزارة الشباب، ثم تولى وزارة التربية، ثم عين وزيرا للخارجية، ثم رُقّي إلى منصب مساعد لرئيس الجمهورية في عهد جعفر النميري، الذي كان أحسن مثل يضرب لما سماه مساعده هذا“العري الفكري“، إذ بعد فشله في تسيير شؤون السودان، وفشله في حل مشكلاته تحت شعار“القومية العربية” بقيادة “نبيها” جمال عبد الناصر، الذي أورد الأمة المهالك بعدما سار بها في أسوإ المسالك. كان منصور خالد من مريدي الأستاذ الدكتور زكي نجيب محمود عندما كان هذا معتكفا في“محراب” الفلسفة الوضعية، التي تستبدل الكتب البشرية الناقصة والمناهج المضللة بالكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم، وبالمنهاج الذي هو أسلم، وهو هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه.
لست أدري إلى ما آل إليه حال الدكتور منصور خالد، خاصة بعدما تبين لـ “مَثله وقدوته” الدكتور زكي نجيب محمود الرشد من الغي، هل تخلى هو الآخر عن “الفلسفة الوضعية” أم أصر على غيه واللهث وراء السراب؟ لأن الدكتور زكي نجيب محمود يبدو أن “مصبه” أو نهايته كانت أحسن من “نبعه” أي بدايته. (أنظر د. عبد الرزاق ڤسوم: مدارس الفكر العربي المعاصر: تأملات في المنطلق والمصب).
نرجو أن يكون الدكتور منصور قد انتهى إلى ما انتهى إليه أستاذه، ولا عيب في ذلك، إنما العيب في التمسك بما تبين أنه لا يهدي إلى الرشد. وأن لا يكون ممن استحبوا العمى على الهدى..
الحقيقة هي أن كل مجادل بالباطل يستطيع أن يصف غيره بصاحب “العري الفكري” إن لم يكن على فكره واعتقاده.
والحقيقة هي أننا رأينا كثيرا من الناس كانوا – هنا أو هناك ـ قد أراد بهم ربهم رشدا، إذ علم ـ سبحانه وتعالى ـ في قلوبهم وعقولهم خيرا فآتاهم خيرا.. فاستنارت عقولهم، وانشرحت صدورهم، وستروا “عُريهم الفكري“.
لقد سمعت أحد العراة فكريا، المعدود عند أمثاله يقول بالحرف الواحد بعد “محاضرة” يقول: لسنا في حاجة لـ“التفكير“، وعلينا فقط أن نأتي بما عند غيرنا ونطبقه في بلادنا، وعند غيرنا بالنسبة إليه هو فرنسا ـ وهذا “العاري فكريا” كان عمدتهم في إصلاح ما أفسده من قبله من “عراة الأفكار“.
إن هذا”العري الفكري” انتشر، وامتد إلى”العري الأخلاقي”، فضاع مجتمعنا ـ وقديما قيل: “ويبقى العود ما بقي اللحاء”.