الغار الذي سيُطوّر البلاد
لم يكن غار جبيلات اكتشافا منجميا جزائريا جديدا، فهو موجود منذ آلاف السنين، ومعروف مكانه وقيمته، منذ ما قبل الاستقلال، كما الفوسفات واليورانيوم والغاز الصخري والذهب والزنك والمياه الجوفية المكتَنزة في قلب الصحراء، ولكن الاكتشاف الجديد هو إرادة الإنسان الجزائري، الذي حقق في ظرف وجيز “ديكليك” الإقلاع، بعد أن ظن كثيرون بأن الرهان على غار جبيلات هو مغامرة ميّتة في مهدها، كمن يحرث البحر، واعتبروا المنطقة “الثلث الخالي” الذي يصعب الاقتراب منه، أو يصعب تقريبه منا، فما بالك أن تحدث قصة التحدي والانتصار، لنكتشف إرادة، نظنها أشد بأسا من حديد غار جبيلات نفسه.
لا تهم ملايير الدولارات التي ستجنيها الجزائر من مشروع غار جبيلات، ولا الآلاف من اليد العاملة التي ستقتحم عالم الشغل بهذا الكنز الرباني، ولكن وضع قطار المناجم على السكة الصحيحة، هو تأسيسٌ جديد لسوناطراك جديدة، تقدّم الجزائر التي حلم بها الملايين، حتى نتحرر من غار البترول، الذي قيل في عقود سابقة بأننا لن نستطيع الخروج من قبضته.
تكمن قيمة تحدي غار جبيلات في تعبيد الطريق لمشاريع كبرى في الطاقات المتجددة وبقية المناجم وأيضا في الفلاحة والسياحة، وإذا كان الجزائريون يطلقون على بلادهم اسم القارة، حامدين الله على نعمه التاريخية والجغرافية، فإن الحمد الحقيقي يكون بتحويل البلاد إلى طاقة وثروات، أينما ضربنا الأرض، أنبتت قمحا وغازا وطاقة شمسية وحتى بُنّا وقصب سكر وعبّاد شمس.
إلى سنوات عشر سابقة لو سألت أي جزائري عن إمكانية الخروج من التبعية ما منحك بصيص أمل وتفاؤل، ولكننا مع مرور السنوات، بل والشهور، صرنا نسمع هنا عن اكتفاء ذاتي في القمح الصلب وفي كل أنواع الخضر والفواكه، وهناك في البنزين والإسمنت والحديد، وبالتأكيد هنا وهناك أيضا، في المستقبل القريب في البقول والقمح الليّن والسيارات…
وهذه الإنجازات لا تمنح الجزائري مناصب شغل ومالا وتحررا من التبعية فقط، إنما تمنحه المعنويات لأجل مقارعة بقية الأمم المتطورة وتنقل البلاد من دولة نامية وناشئة إلى بلاد متطوّرة لا ينقصها عن بقية البلاد الكبرى شيء.
الذي يفتح ورشات كبرى وعديدة في زمن وجيز، لا بدّ وأن يتعثر لبعض الوقت، فالسُّبات العميق الذي عاشته البلاد عدة عقود، جعل النهوض أمرا عسيرا، والذين بنوا ثرواتهم من سبات البلاد من داخل الوطن ومن خارجه، لا بدّ وأن يحاربوا هذا “الدكليك” ويشكّكوا فيه، لكن الانتصار هو الذي سيتحقق، خاصة بعد أن ظهرت الثمار الأولى في المناجم والفلاحة، وشهية الأمم تأتي دائما مع الأكل، ولا نظن أن وجبة غار جبيلات بقي على طهيها الكثير.