الغاز الصخري.. الكنز المسموم
ليس غريبا أن يتزامن الاتفاق الفرنسي- الجزائري خلال زيارة هولاند للجزائر في ديسمبر 2012م، والاعتداء الإرهابي على القاعدة النفطية بـ”تيڤنتورين” بعين أميناس يوم 16 جانفي 2013، وصدور تعديل قانون المحروقات في 20 فيفري 2013، وقرار مجلس الوزراء الأول في العهدة الرابعة في 21 ماي 2014، ممّا أعاد الجدل حول موضوع الغاز الصخري، والذي يحتاج إلى المنطق العلمي وفتح الحوار الوطني حوله، بعيدا عن ضرورات السياسة وأحكامها، وعن جشع الأنظمة وشركاتها، فالحاجة الاستراتيجية إليه لا تبرّر خطورة الآثار المدمّرة له على النظام البيئي، ما يجعله كنزا ولكنه مسموم..
هذا النقاش يستدعي طرح الأسئلة الجوهرية عن كيفية التعامل مع هذه الثروة الوطنية والبحث عن “الأمن الطاقوي المفقود” حول مدى توفّر هذا الغاز الصخري ونوعية إنتاجه ومقدار الحاجة إليه، والتكاليف الباهظة له، والجدوى الاقتصادية منه والضريبة البيئية له، والموقف التقني والسياسي منه، ومدى قبول الرأي العام له، وما سيؤدّي إليه من إشعال ثورات شعبية وتوترات اجتماعية رافضة له، مما يطرح السؤال بقوة: هل أصبح التوجه إليه نعمة أم نقمة؟ ما هو هذا الغاز؟ ولماذا تقرّر استغلاله الآن؟ وهل هو قرارٌ وطني أم هو مظهرٌ صارخٌ لفقدان السيادة الوطنية عن قرارنا السياسي والاقتصادي؟ أليست له بدائل حقيقية أكثر أمنا وأفضل جدوى؟ أم هي إكراهات الصراع الدولي وحسابات الكبار؟ وفي الأخير: لصالح مَن سيكون كنزا ولمن سيكون سُمًّا؟
الذهاب إلى الغاز الصخري الآن لا يخرج عن حسابات الكبار، فبعد الأهداف التي سجّلها “الدّب الروسي” في مرمى”الكوبُويْ الأمريكي” في أوكرانيا وسوريا، والعقوبات الغربية المستمرة عليها، والتهديد الروسي بقطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا وأوروبا، جعلت من أمريكا وحلفائها يدفعون باتجاه تشجيع استغلال الغاز الصخري في بلدانٍ بديلة، وهذا ما يجعلنا نؤكد أن التوجه الجزائري نحو الغاز الصخري هو “قرارٌ فوق وطني” وهو قرارٌ دولي بامتياز، نفقد فيه السيادة الوطنية على ثرواتنا الباطنية، وهي فاتورة سياسية تدفعها السلطة كثمنٍ للعهدة الرابعة من أجل البقاء في الحكم، وهو استباقٌ لضمان المصادر السهلة لشراء السلم الاجتماعي الداخلي المتسق مع شراء السلم السياسي والدعم الخارجي..
والاتفاق الجزائري- الفرنسي لاستغلال هذا الغاز لن نتردّد في اعتباره اتفاقية تعزّز النفوذ الاستثنائي والمذل لفرنسا في الجزائر، على غرار النفوذ العسكري والإداري والثقافي واللغوي منذ استراتيجية “ديغول” بالقوة الثالثة سنة 1958 واختراق الضباط الفارّين من الجيش الفرنسي وتموقعهم في مفاصل الإدارة والجيش بعد الاستقلال مباشرة. وبعد التجارب النووية الفرنسية في صحرائنا في 13 فيفري 1960م، ها هي الآن تريد أن تجعلنا فئرانَ تجاربٍ جديدة: بأموالنا وعلى أرضنا وعلى حساب صحتنا وبيئتنا ونتائجها لا تكون لنا؟..
ترى، لماذا تتجاهل السلطة الطاقات المتجدّدة والاقتصاديات البديلة وتصرّ على التبعية المزمنة للمحروقات؟ الصين صاحبةُ أكبر احتياطٍ في العالم من الغاز الصخري، لجأت إلى توقيع عقدٍ ضخمٍ مع روسيا لاستيراد الغاز بـ450 مليار دولار، وقرّرت التريث في استغلاله، وأمريكا المتربعة على عرش تكنولوجيته ومكتفيةٌ ذاتيا منها وجدت فيه من المخاطر 25 مرة أكثر مما كانت تتوقّعه، وأنه لا يساهم إلا بأقل من1 % من الناتج الإجمالي المحلي، وأنه لا يوظّف إلا نحو 800 ألف من الأمريكيين من أصل 115 مليون عامل..
فكيف بنا ونحن لا نتوفّر على هذه التكنولوجيا المعقدة والتقنية العالية والتكلفة الباهظة والنتائج غير المضمونة والمخاطر الصارخة في وجوهنا؟ وأن عمر الآبار بين 2 و5 سنوات فقط، مما يتطلب الحفر المستمر للآبار الجديدة وغلق الآبار المستعملة.. إن تحسين سياسة إنتاج واستخراج الطاقات التقليدية الحالية من البترول والغاز الطبيعي – والتي لم تقل كلمتها الأخيرة بعد- والاستثمار في مواردها من أجل بناء اقتصادٍ منتجٍ حقيقيٍّ ومتنوع كفيلٌ بعدم الذهاب إلى جحيم المستقبل المجهول للغاز الصخري..
إنّ التداعيات الخطيرة للغاز الصخري تعتبر “جريمة” في حقّ الإنسانية، ولذلك أوقفت العديد من الدول عملياتها فيه، وأصدر البرلمان الفرنسي سنة2011 قانونا يمنع السلطات الفرنسية من استكشافه واستغلاله على كامل أراضيها، فكيف يمنعونه عندهم ويتهافتون عليه عندنا؟
ويؤكد الخبراء أن الغاز الصخري له أضرارٌ خطيرة وتهديدٌ حقيقي للنظام البيئي ومنها:
1/ تلويث المياه الجوفية بسبب تقنيات الحفر والصدوع التي تسببها الآلات المستعملة فيه، مما يؤدّي إلى تسرّب المواد الكيمياوية وتلويثها للتربة ومصادر المياه. 2/ تلويث سطح الأرض بالمياه المرتجعة: بحيث ينتج عن عملية التنقيب والاستخراج مياهُ صرفٍ صناعيةٍ ملوَّثةٍ بكيماوياتٍ مذابة فيها، ما يجعلها غير قابلة لإعادة تدويرها ومعالجتها مرة أخرى..
3/ الاستهلاك الواسع للمياه المستعملة: فحفرُ بئرٍ واحدة يتطلب 11 مليون متر مكعب من المياه، ما يكفي8000 مواطن خلال سنة كاملة، فكيف بحفر الآلاف منها؟
4/ الغازات السامة المنبعثة (خاصة غاز الميثان) وهو الغاز الأول المتسبّب في الاحتباس الحراري بعد غاز ثاني أكسيد الكربون..
5/ النشاط الزلزالي المتزايد: نتيجة المساس بالصفائح الصخرية الكبرى التي يرتكز عليها سطح الأرض، وهو ما يؤدّي عند استخراجه إلى نشاطات بركانية كبيرة وخطيرة..
لكلِّ هذا نقول: نحن لسنا ضد الغاز الصخري من حيث المبدأ، ولكن تكنولوجيته غير المتحكّم فيها وغير الآمنة، وتكاليفه الباهظة ماديا وبيئيا، ونتائجه غير المضمونة، وأرباحه غير المتأكد منها.. تجعلنا نتحفّظ على قرار الذهاب إليه والارتماء في أحضان المستقبل المجهول له..