-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الغثائية .. والصّدفة الفارغة

حمزة يدوغي
  • 5008
  • 0
الغثائية .. والصّدفة الفارغة

“التخلف كل لا يتجزأ”، وللتخلف سمات وخصائص مميزة في جميع المجالات، ففي مجال الفكر – مثلا – نجد من هذه الخصائص المميزة “الإطلاق والتناقض والتعميم” وكلها وليدة “النظرة التجزيئية” إلى المسألة المفكّر فيها، ولنأخذ لذلك مثالا هو حكمنا – نحن المسلمين – على الحضارة الغربية المعاصرة بالإفلاس ونحن عندما نقرر ذلك ونؤكد قرب انهيارها “لفساد أخلاقها وطغيان ماديتها وسيرها في طريق مسدود”، فإننا نتصور هذه الحضارة بإنجازاتها العلمية شجرة تآكلت جذورها وفروعها ولم يبق إلا انتظار سقوط ما عليها من ثمار لنستهلكها – نحن المسلمين – “الذين لم تفسد أخلاقنا ولم تطغ علينا المادة لأن حضارتنا أخلاقية قائمة على أكمل دين”.

إن خطورة هذا النوع من التفكير تكمن في أنه يغذي ذهنية التخلف أصلا، لأنها تؤمن بأنها، باستخدامها واستغلالها لثمرات التقدم العلمي الغربي فإنها تمتلك تلقائيا التفكير العلمي الذي حقق ذلك التقدم، وهذا ما يعرف اليومبالحداثة الماديةوهي أن يفهم الإنسانالمتخلفبأن التطور والتقدم والرقي هو القدرة على   التمتع بخدمات العلم والتكنولوجيا دون الإحساس بضرورة الارتقاء إلى  مستوى الفكر الذي حقق تلك المنجزات والانتصارات. ثم، لماذاالإحساس بالعقدةأصلا أمام التقدم العلمي التكنولوجي الغربي مادام كل اكتشاف جديد في مجال العلوم والمعارف نجد له إشارة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ومعنى ذلك أن الإسلام سبق هؤلاء العلماء الغربيينالمكتشفينبخمسة عشر قرنا إلى هذه الحقائق العلمية، وبديهي أن العظمة ستظل للإسلام لا للمسلمين إذا لم يتحرروا من هذه الذهنية.. إن الغرب، بمشكلاته وأمراضه الحضارية لم يحقق ما حققه من تقدم علمي وفكري إلا بعد قرون من السعي والجهد، أرسخ خلالها تقاليد نابعة من ذاته ومناخه، وما يبدو لنا نحن اليوم سهل المنالبمنطق الحداثة الماديةإنما جاء بعد سلسلة طويلة من المحاولات والأخطاء، وهذا ما يمثل القوة الحقيقية وليس المنجزات في حد ذاتها! أي الفكر المجتهد المبدع.. إن هذه النظرة السلمية هي التي ينبغي أن ننظر بها نحن إلى واقعنا المتخلف بمشكلاته المتخلفة وإلى الغرب المتقدم بمشكلاته الحضارية.

فهناك فرق كبير جدا بين أن يقول فيلسوف مؤرخ مثلتوينبيعن الحضارة الغربية : “إنها صدفة فارغة لأنه يصفها كذلك وهو يعلم جيدا ما بداخلها ويملك في الوقت نفسه التصور الصحيح لما ينبغي أن تكون عليه، فرق كبير بين هذا القول وبينحكم مطلق سطحي ساذج يصدره إنسان متخلف، إلا إذا كان واعيا حقامثل توينبيلما يقول.. فهناك من الأحكام المطلقة ما هو محفوظ لفرط تكراره وذيوعه، يردد وكأنهحقائق مسلم بهابينما هو في حاجة ماسة إلى مراجعة وضبط.

فإلى أي حد يمكن الاطمئنانمثلاإلى ذلك الحكم الذي يرى أن العالم الإسلامي الذي فاته الرفاه المادي الذي يتمتع به الغرب فإنعزاءه الدائمأنه سليم معافى في روحانيته.

لكن واقع المسلمين يدفع دفعا إلى الاعتراف بأن حياتهم الروحية ليست أحسن حالا من حياتهم المادية. قال المفكر المسلمرجاء جارودي إن الغرب قد تفنن في تعليم الإنسان كيف يعيش، لكن مأساته أنه لم يفكر يوما في تعليم هذا الإنسان لماذا يعيش؟ ولمن يعيش؟!

والذي يتأمل تاريخ المسلمين الحديث وما نتج عن احتكاكهم المباشر بالحضارة الغربية يتأكد من أن أكبر جناية جناها الغرب على الشرقهي أنه أورثه هذه الفلسفة وأصبحت متحكمة في نموه وتطوره، وإن ادعى غير ذلك في مستوى الوعي السطحي،

 إن مما نعلمه جميعا أن الإسلام كان منذ ظهوره قوة تحررية فعالة ينشر الحركة والتجديد ويحارب الجهل والتخلف والظلم والاستبداد ويدعو إلى الحياة فلم يكن غريبا أن تنشأ في ظله الحركات التحررية التي تربى زعماؤها على تعاليمه وتغذوا بقيمه ومبادئه، في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولم يكن غريبا أن يكون العلماء المسلمون هم رواد تلك الحركات التحررية، قاوموا الاستعمار وفضحوا مخططاته وواجهوا في الوقت نفسه الجامدين من المسلمين الذين أساؤوا فهم دعوتهم إلى الإصلاح والتجديد وتحرير العقل من التفكير الخرافي، ولقد كان من الرواد الأوائل الذين صححوا هذا الفهم السيء جمال الدين الأفغاني الذي قال :”ليس المراد بإصلاح ديننا أن نحدث فيه حدثا لم يأت به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أو نحرف فيه تعليما أو حكما أتى به أو نصّ عليه، وإنما المراد أن نرجع في بساطة عقائدنا وسهولة تعاليمنا إلى ما كان عليه الحال في الصدر الأول، فنتوسع ما شئنا في أمور الدنيا ومقومات عمرانها، أما أمور الدين فنقف عند حدوده ونصوصه وقفة عواجز، ثم نسعى إلى تعلمه وتفهمه من أقرب الطرق وأسهلها فلا يقضي أحدنا عمره في تعلم الدين تعلما يقصينا عنه ويحول بيننا وبين العمل به والاهتداء بهديه لكن أولئك الرواد لم يكونوا يرون في تحرير شعوبهم غاية في حد ذاتها بل كانوا يعدون ذلك مرحلة ووسيلة إلى إقامة مجتمع يتخذ الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة.

لكن الذي حدث أن هذه الشعوب التي انتصرت وحققتالاستقلال السياسيوجدت نفسها أمام تركة ضخمة من الهياكل والمؤسسات والنظم والقوانين التي خلفها الاستعمار المنهزم عسكريا وسياسيا، فلم تتساءل وفق أي منهج أوفلسفةينبغي لهذه المؤسسات والهياكل أن تتحرك وتعمل؟! بل اكتفت بما ورثته معها من المفاهيم والنظريات، ثم قادها الانبهار إلى تجاوز استيراد الماديات إلى القيم والأفكار دونما تمييز  واع بين ماهو مشترك إنساني عام بين جميع الحضارات القائمة أصلا على الأخذ والعطاء وبين ما هو ذاتي متميز خاص بمجتمع دون آخر وبحضارة دون أخرى.

وكانت نتيجة ذلك كله ما تعيشه هذه المجتمعات الإسلامية اليوم، التي بهرت العالم في أمسها القريب بثوراتها التحررية التي حققت لها الحرية والاستقبال، لكنها انهزمت حضاريا وعجزت عن تحقيق الذات أمام مستعمرها بالأمس، المنهزم سياسيا وعسكريا والمنتصر حضاريا.

إن المتأمل في أحوال المسلمين اليوم وما أفرزته من تناقض صارخ بين سمو العقيدة وسعة الرقعة ووفرة العدد وغنى الموارد، من جهة، وبين التخلف والتشتت والضعف والهوان، من جهة أخرى يقول: إن الغرب إذا كان يعيش مرحلةالصدفة الفارغةفإن الشرق يعيشمرحلة الغثائية

(…أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل)

صدق رسول الله صلى الله وملائكته عليه وسلموا تسليما..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • نورالدين الجزائري

    حتى لا أنسى الشكر الجزيل تقدير و احترام للعلم و المقال . و إن كان عدد قراءه قليل جدا ، شيء محزن مؤسف و لكن لا يندب المرء على مَـن لا يستحق الندب !

  • نورالدين الجزائري

    و لمن يريد أن يتضح له هذا جليا علية أن يبحث في الفوارق بين : القرآن الكتاب الذكر ليجد أن كل الآيات التي ذكرت كلمة: قرآن فيها أحكام الكون و سننه مثل : الحياة الموت السعادة الخوف .. أي الجذع المشترك بين كل العباد مؤمنهم و كافرهم { للناس } ! القرآن نصوصه ثابتة و محتواه متحرك و يجب إلا أن يكون هكذا ليتوائم مع التطور الزمني للحياة ، و لكن نحن نعيش النظرية الجبرية بدون أن نعلم أو نشعر أننا خاضعين لها ليصبح النقل هو الأساس و العقل عُطل لتحل بنا كارثة : يحكمنا الحاكم المتوكل الجديد في كل العصور !!!!!!!!

  • نورالدين الجزائري

    آذان السامع العاقل ليفهم كلام المولى سبحانه فهما دقيقا محسوسا و ملموسا ، و هذا (الصيرورة ) التصريف يؤتي أكله عندما يكون الإنسان جدلا ! فليس الجدال بمعناه المتداول بين الناس في النزاع و العراك و الخصومة و لكنه جاء في مواطن حميدة و جليلة تتسم بالقيّم و الأخلاق العظيمة { و جادلهم بالتي هي أحسن } 125 النحل . 46 العنكبوت . و العجيب أن في هذه الآية ذُكر الجدل مع تصريف القرآن بمعنى الإنسان خُلقت فيه جبلية : الخواطر الفكر المقارعة الحلول المرواغة البحث السؤال ... و حوار الرأي الأخر لإستخراج رأي جديد ..

  • رهواجة

    الله يدكرك ويمسيك بالخير يا استاد حمزة ..ربي يطول في عمرك واين راحت هاديك الايام الي كنتو تقدمو دروس مجانية للطلبة عبر التلفزيون ...ايه ياحسرة ولات الساعة ب 5000دج

  • نورالدين الجزائري

    يقول تعالى { و لقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل و كان الإنسان أكثر شيء جدلا } 54 الكهف . التصريف هو تحويل الشيء إلى أشياء متعددة ، نحن نخرج الحديد من باطن الأرض لنجعل منه أشياء و نرى في الطبيعى حركة لنجعل منها فكرة ثم شيء فعباس بن فرناس لم يكن أبدا أن تأتيه فكرة صناعة طائرة لو لم يرى ذلك من طائر يطير بجناحيه ! أبدا و ألف مستحيل و كل الإختراعات هي من الأمثلة الموجودة في عالمنا . و كلمة : تصريف قريبة جدا من معنى : الصيرورة ( نظرية المعرفة ) و أتت في التنزيل بمعاني متعددة .. و كأن الآية تقرع

  • نورالدين الجزائري

    لأنفسنا و لغيرنا و هو مفهوم أصدره بعض الفقهاء عمدا أو جهلا حتى لا يخرج الناس عن الحاكم لأنه مكتوب و مقدر من الإله سبحانه ؟!! نحن نعيش الغيبيات لا واقع معاش و حتى الغيبيات فسرناها تفسير لغوي أدى بنا حتما إلى: نهاية التجارب و الخوض فيه هو شكا في كلام الخالق فتوقف الفكر عن فك رموز الطبية و العقل عن ربط الفكر بالمعرفة!
    فقهاء الشرع إلا ما رحم ربي الكريم يوقنون بالمطلقية ــ الفكرية ــ لديهم فقط و هم المتعالين على الناس و فكرهم خلاصة العلم و نهاية التجارب .
    المصحف الشريف يحثنا على العلم و الصيرورة !

  • نورالدين الجزائري

    هناك متسبب مباشر ! و مَن قال العكس فعليه حذف كل آيات القصاص من التنزيل الحكيم ! لأننا فسرنا كلمة : مكتوب لغويا ترادفيا و الحقيقة أن المكتوب من الكتاب و هو : مجموعة من المعلومات يفهمها المرء اجتمعت لتعهطينا خبر مفهوم فالله تعالى يعلم ماذا أفعل في هذه اللحظة و في كل لحظة للبشر و لكن لم يجبرهم على ما يفعلون و هكذا يتضح أن المكتوب العلم المعلوم و ليس القرطاس ( الكتاب ) { و لو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ..} 7 الأنعام . ليؤدي بنا مفهوم القضاء و القدر ( مفاهيم كثيرة ) ظلمنا بها و أسئنا

  • نورالدين الجزائري

    هي الشيء الموجود في الطبيعة السيرورة : التفكير و التغيير لظهور شيء جديد و الصيرورة : الإنتاج العلمي المعرفي لهذه المراحل . و بإلغاء هذه المراحل الثلاثة نعطل العقل عن العمل للنكمش و ننزوي في حلقة مغلقة نبدأ منها و ننتهي إليها و مثال ذلك : مفهوم القدر و القضاء أنه مكتوب بمعنى : من عند الله تعالى فلا يجوز لنا إلا لنسلم له ، فالطبيب الذي يخطأ خطأ جسيم أو عدم المبالات يسبب وفاة المريض نقول عنه جاء أجله مكتوب و الطرقات التي تحصد العشرات من القتلى يوميا ماتوا هؤلاء بمكتوب عليهم أن يموتوا و في الحالتين

  • نورالدين الجزائري

    { و كان الإنسان أكثر شيء جدلا } 54 الكهف
    إن الحياة بكل أطيافها هي جدلية بين الإنسان و الكون ، و هذا الصراع المستمر مع الطبيعة التي أُوجدت و صٌخرت له حتى ينتفع بها و بالتالي يسيطر عليها إلى حد بعيد و مستمر ، فزادت من حرية الإنسان و نزعت عنه الأسر و الأغلال . هذه الجدلية مُعرفة في : الكينونة ثم السيرورة فالصيرورة . نظرية التفكير و التغيير و التطور للأسف ينكرها مشايخنا أشد الإنكار لأنها مناقضة للدين و ياللعجب آتي بها الدين !تعريف قبع في أذهانهم مفهوما لغويا بعيد سحيق عن المقصد العلمي . الكينونة