الغرب يخشى عودة “جنكيز خان”…
يَستخدم الغرب كل الوسائل لمنع أية قوة دولية أو مجموعة قِوى دولية للخروج عن نظامه الدولي الذي أقره منذ 5 قرون بعد اتفاقيات “واستافاليا” 1648م التي أنهت حرب الثلاثين سنة بين البروتستنت والكاثوليك… ينبغي أن تبقى الدول الغربية التي هيمنت على العالم منذ تلك الفترة هي المُتحكّمة. ويتحول نظامها الأوروبي إلى نظام عالمي. بريطانيا ينبغي أن تبقى عظمى، وفرنسا إمبراطورية وألمانيا وباقي القوى ذات نفوذ في العالم. ووجدت جميعها في الولايات المتحدة الأمريكية (لكونها بلا تاريخ سابق مماثل) الدولة الأمثل لتقود المجموعة وتُعطي صفة العالمية للنظام الدولي القائم على المركزية الأوروبية. ومازالت هذه القوى تسعى إلى اليوم، لأن تُبقِي عظمتها تَتجلى حتى عندما يتعلق الأمر بالطقوس الجنائزية. ذلك أن الغرب لا يهتم لجنازة ملوكه، فهم ملوك شَكليون في الواقع، بل لأنه يريد تذكير العالم بالعظمة التي كانت وينبغي أن تبقى لإمبراطورياتهم…
ومع ذلك تتوالى الأحدات والتحولات اليوم على الصعيد العالمي، لتدل أن هذا الغرب الذي يُقيم أمجاده على المركزية الأوروبية قد أصيب اليوم في مقتل، ويكاد يعيش مرة أخرى عهد “جنكيز خان” أو “محمد الفاتح” أو “سليمان القانوني”. لقد كتب “أمير نور” في مؤلفه الهام الذي سبق وأن أشرت إليه في هذا العمود “الإسلام والنظام الدولي وصية مالك نبي”، وتناول هذا الموضوع بعمق كبير. وذكر أن النظام الذي نُسمِّيه اليوم نظاما عالميا إنما هو في الواقع نظام الغرب الأوروبي ما بعد “واستفاليا” مُعمَّمٌ على العالم. ولعلي أضيف أنه جاء ليكون بديلا لنظام الزعيم المغولي “جنكيز خان” ولمحاصرة النظام العثماني الإسلامي الذي بدأ يترسخ منذ فتح القسطنطينية سنة 1453م ويفرض نفسه على كامل أوروبا.
وضمن هذا السياق كَتبت قبل أيام Valerie Hansenفي عدد سبتمبر ـ أكتوبر 2022 من مجلة “Foreign Affairs” الأمريكية مقالا بعنوان: النظام الدولي القديم الأصل الحقيقي للعلاقات الدولية يؤكد تماما تحليل “أمير نور”. فقد ذكرت أن نظام جنكيز خان (1162ـ 1227) سبق نظام “واستفاليا” بقرون، لقد تَمكَن من إخضاع آسيا والغرب الأوروبي منذ سنة 1206 لنظامه عندما أعلن هيمنته على “أوراسيا”، وبَنَى دولته العظمى الممتدة من المجر إلى الصين.. ومازال سكان هذه الدولة في الأقاليم المعاصرة يتذكرون ذلك إلى اليوم، ومن بينهم “بوتين”… وإذا علمنا أن عددا كبيرا منهم اعتنق الإسلام بعد وفاة “جنكيز خان” وخاصة منذ سنة 1400م، نُدرك أن المنطقة (وكانت قلب العالم)، كان لها نظامها الدولي قبل النظام الغربي، وعلى الغربيين اليوم أن يتذكروا ذلك، ويعلموا أن نظام “واستفاليا” الذي تأسس قبل 500 سنة ينبغي ألا نعتبره بالضرورة أصل القواعد التي تحكم العلاقات الدولية، كما عليهم أن يعلموا أن إخضاع العالم بقوة الحديد والنار منذ ذلك التاريخ، تحت ذرائع مختلفة، لم يَعد مُتاحا اليوم وقد بدأت “أوراسيا” بقيادة “بوتين” تستعيد المبادرة في “القرم” وفي “الدونباس” وآسيا الوسطى.
وفي انتظار يقظة المسلمين في آسيا والعالم العربي، وشروعهم في استعادة النظام العالمي الذي تحكموا فيه بمفردهم إلى غاية بداية الألفية الثانية ـ 1000ـ 1200م، ثم بالتوازي مع النظام الغربي الأوروبي في الفترة العثمانية إلى غاية احتلال الجزائر سنة 1830م، في انتظار ذلك، يبقى هلع الغرب من عودة الحياة لـ”جنكيز خان” المغولي كافيا لكسر عقدة الشك في أننا قادرون على استعادة النظام الدولي الذي أقمناه ذات مرة، يوم كان الأوروبيون يختلفون على طبيعة “عشاء الرب” ويقتل بعضهم البعض بالملايين في حروب سموها بالدينية وانهوها بـ”واستفاليا” المدنية وجعلوا منها قاعدة كل القوانين الدولية المفروضة علينا اليوم…