الغرق في شبر ”ماء”
فسحة الأمل التي منحها الوزير الأول بكلامه المتفائل، ومئات ملايير الدولارات التي ضختها الدولة لأجل تحريك قطار التنمية الذي ملأ أسماعنا بالصفير دون أن يتحرك إلى الأمام، أغرقتها زخات الغيث التي غسلت شوارع مدن وقرى الجزائر خلال هذا الأسبوع، فقد اتضح أن الآلاف من رؤساء البلديات الذين يسيّرون شؤون الجزائريين غير قادرين على التعامل مع تقلبات المناخ.
-
فبعد أن خسروا غزوة الصيف أمام جحافل الناموس حملوا الراية البيضاء في غزوة الشتاء أمام الأمطار التي أنذرت بقدومها مصالح الأحوال الجوية في معادلة لا عُذر فيها لمن يُنذر ولا عقاب فيها أيضا لمن يُنذَر، فقد تحولت الطرقات التي عُبِّدت من أموال الشعب إلى أوحال، والأنفاق التي شقّت من أموال الشعب إلى كوابيس، وجفت الحنفيات وعادت الشموع وانقطع الهاتف والإنترنيت فحوّلت نعمة الغيث حياة الناس حتى في المدن الكبرى إلى جحيم في بلديات وولايات لم تعثر فيها البغلة فقط، ولم يخشى حكامها مساءلة الله لهم لماذا لم يصلحوا الطرقات فقط، وإنما عثرت كل البغال وأصحاب البغال بسبب جريمة الغش التي حوّلت منجزات الصيف إلى أطلال مع الأمطار الأولى للخريف دون أي عقاب أو مساءلة أو حتى انتقاد لأصحاب هذه المشاريع الفاشلة التي استهلكت الوقت والمال والأعصاب، ولا للذين منحوا هذه الصفقات المشبوهة لمن لا يستحقوها، والجزائر التي عانت في العشرية الدامية من انعدام المشاريع هي الآن بعد البحبوحة المالية تعاني مما هو “أقسى وأمرّ” من اللامشاريع، وهي المشاريع المغشوشة، أي أن الجزائر انتقلت من مرحلة اللاإنفاق إلى الإنفاق العشوائي للمال العام، وكل الولايات والبلديات والمديريات المحلية والجهوية وكل الوزارات اعترفت بمضاعفة ميزانياتها ولكنها جميعا عجزت عن تحويل هذا المال الإضافي إلى واقع يعيشه المواطن ويتمتع به.
-
وعندما يصبح المطر الذي نصلي لأجله صلاة الاستقاء والماء الذي جعل منه الله كل شيء حيا، شقاء يدخل بيوت البسطاء ويبيت بسببه الناس في العراء فمعنى ذلك أننا بلغنا مرحلة الخطر، لأن الجفاف يُشقينا والغيث يُشقينا وانخفاض أسعار النفط تُشقينا وارتفاع أسعار النفط تُشقينا، ومن المفارقات الغريبة في الجزائر أن الغيث الذي جعل من مائه الله كل شيء حيا هو الذي يقتل الناس ويقتل الحيوان ويقتل النبات ويرفع من سعر الخضراوات والماشية ويقطع عن الناس الماء والغاز والهاتف والكهرباء حتى لا نقول الأوكسجين، أي أننا جعلنا من الماء “بالعافية” كل شيء ميتا.
-
انتقاد جميل تفضل به الوزير الأول وهو يقول إن الدولة لن تتسامح مستقبلا مع الذين يحرقون الإطارات المطاطية للسيارات ويقطعون الطرقات في وجه المواطنين احتجاجا على أوضاع اجتماعية مزرية يعيشونها، ولكن الأجمل لو قال لنا كيف يُوصل المواطن البسيط رسائل غيضه التي فاضت لرئيس بلدية عاجز عن توقيف زحف أسراب الناموس صيفا وإنقاذ الناس من الغرق في شبر الماء شتاء؟