الغطاسون.. “كومندوس” لمواجهة حوادث الغرق في السدود
يتم البحث عن جثث الغرقى لمدة ساعات طويلة بين الأوحال والأتربة العائمة، خاصة وأن السد هو عبارة عن “مدينة” مردومة تحت المياه يجهل الغطاس مخاطرها وما يمكن أن يلاقيه خلال عملية التدخل من أخطار قد تودي بحياته؛ فقد يصطدم بقضبان حديدية أو سيارة غارقة أو جرار أو جذوع الأشجار والأسلاك.. ومن أخطار الغطس أيضاً انعدام الرؤية، حيث يتم في ظلام تام من شدة تعكر المياه، وعادة ما يكون التدخل ثنائيا وبواسطة الحبال.
نشرت مديرية الحماية المدنية خلال السنوات الأخيرة فرقا خاصة بالغطس عبر مختلف المناطق الداخلية التي لا تتوفر على شواطئ ولا بحر، ولكنها تتوفر على أكبر السدود والمسطحات المائية كالوديان والآبار وحواجز السقي.. وهي مصدر الموت سنويا لمئات الأشخاص الذين يلجأون إليها للسباحة و”الاصطياف” في فصل الصيف.
جاءت أولوية تخصيص فرق غطس مؤهلة للإنقاذ المائي عبر 35 ولاية بعد أن ابتلعت السدود والمستنقعات والآبار عددا من الضحايا يفوق ضِعف عدد الغرقى في شواطئ البحر، وهي حقيقة باتت غاية في الخطورة، خاصة بعد برامج الجزائر في إقامة العشرات من السدود الضخمة التي تجمع ملايير الأمتار المكعبة من المياه، وهي أوساط مرعبة يفقد فيها عددٌ كبير من الأشخاص يسبحون فيها أو يحاولون عبورها على متن عبارات يصنعونها من الخشب أو من الصفائح الفارغة تشد إلى بعضها البعض بواسطة سلك تطفو فوق سطح الماء، معرضين حياتهم إلى خطر الموت غرقا، ويبقى تدخل فرق الغطس هو استخراج الجثث من أعماق السدود لدفنها، فحسب إحصائيات الحماية المدنية فإن عدد الغرقى في الشواطئ بلغ العام الماضي 102 وفاة، بينما لقي 215 شخص مصرعهم غرقا في المسطحات المائية والبرك والسدود وحواجز السقي، ويتم البحث عن جثثهم لمدة ساعات طويلة بين الأوحال والأتربة العائمة، خاصة وأن السد هو عبارة عن “مدينة” مردومة تحت المياه، يجهل الغطاس مخاطرها وما يمكن أن يلاقيه خلال عملية التدخل من أخطار قد تودي بحياته؛ فقد يصطدم بقضبان حديدية أو سيارة غارقة أو جرار أو جذوع الأشجار والأسلاك.. ومن أخطار الغطس أيضاً انعدام الرؤية، حيث يتم في ظلام تام من شدة تعكر المياه وعادة ما يكون التدخل ثنائيا وبواسطة الحبال.
امرأتان تمتهنان الغطس
يبلغ عدد الغطاسين المحترفين في الجزائر والتابعين للحماية المدنية 380 غطاس من بينهم امرأة غطاسة في ولاية وهران، وأخرى في ولاية الجزائر، وهي سابقة في تاريخ الغطس المحترف في المسطحات المائية الخطيرة، وهم مؤهلون للغوص والتدخل على أعماق تصل إلى 30 مترا، ومن المنتظر أن يصل عددُهم خلال السنوات القليلة القادمة إلى 500 غطاس مختصين في الغطس في المجمعات المائية الخطيرة أولها السدود والآبار والوديان خلال الفيضانات، يتم انتقاؤهم وفقاً لمقاييس عالمية وانتقاء طبي صارم، ثم يوجه المرشح المنتقى مبدئياً، إلى مركز الخبرة الطبية بالمستشفى العسكري لعين النعجة التابع لوزارة الدفاع الوطني للتأكد من سلامته الصحية وقدرته على الغطس، وهو نفس المركز الذي يُفحص فيه الطيارون، ثم يتم تحويل الغطاسين على تجربة غرفة الضغط المرتفع لإجراء تدريبات حول كيفية الغطس في عمق المياه، حيث يكون الضغط مرتفعاً.
يُذكر أن الحماية المدنية هي الجهاز الوحيد على المستوى الوطني التي استحدثت مصلحة طب حوادث الغطس الناجمة عن الضغط العالي، حيث يتعرض الغطاس إلى حوادث غطس تؤدي إما إلى موته أو إلى شلله التام، وتضم المصلحة 5 أطباء متخصصين في هذا المجال.
وحسب الدكتور حبِّي كريم، وهو طبيب مختص في أمراض طب الضغط العالي أو الغطس، فإن الغطاسين تلقوا تكوينات خاصة في الإنقاذ المائي في الجزائر على يد أجانب متخصصين أو في فرنسا، وبإمكانهم التدخل في أية كارثة سواء الإنقاذ أو البحث عن الجثث في أعماق المياه الراكدة نتيجة فيضانات أو داخل السدود، خاصة وأن الشخص الغارق في سد يبقى في العمق، لأن درجات المياه منخفضة جدا، ما يمنع الجثة من التحلل لفترة طويلة، كما أن غياب البكتيريا يمنع الجثة من الانتفاخ والطفوِّ على السطح فتبقى في العمق ويستلزم استخراجُها ساعات طويلة من الغطس، ويضيف الدكتور أن العائلة عندما تفقد أحد أفرادها في سد أو في أعماق بئر وحتى وإن تأكدت من موته فإن من حقها استلام جثته لدفنها، فالأموات من حقهم الدفن في المقابر، ولا تتوقف عمليات الغطس للبحث عن الغرقى إلا بعد استخراج جثثهم وتسليمها لذويهم، وقد روى الدكتور حبّي حادثة بقيت في ذاكرته وهي غرق شاب في سد “روينة” بولاية عين الدفلى كان يحاول عبور السد والوصول إلى أحد ضفافه، حيث قام بربط جسمه إلى قارورات زيت فارغة بلاستيكية على شكل “عبَّارة” تساعده على الطفو، لكن القارورات فتحت وامتلأت بالمياه وغرق، واستغرق البحث عنه في عمق السدّ مدة 48 ساعة من طرف فرقة غطس تابعة للحماية المدنية وبحضور عائلته وأقاربه وسكان قريته وحتى والي عين الدفلى، وبعد العثور ارتفعت أصوات الزغاريد وبدت الفرحة على وجوه أفراد العائلة الذين تسلموا الجثة وقاموا بدفنها بدل أن يعيشوا في عذاب دائم بأن ابنهم “مفقود”.
أموالٌ كبيرة لتكوين الغطاسين
بعد فيضانات باب الوادي غيرت الجزائر سياستها في الإنقاذ التي لم تكن تتعدى الـ35 بالمائة فقط من العمليات والوسائل والاحترافية حسب مختصين في الحماية المدنية، وخلال العشر سنوات الماضية طورت جهاز الإنقاذ من خلال تكوين مستمر للغطاسين الذين ساهموا في عمليات الإنقاذ واستخراج الجثث تحت السيول الجارفة، كما أن السنوات الأخيرة أظهرت مدى تفاقم كوارث الغرق في المسطحات المائية بدل البحر ومدى إقبال المواطنين، وخاصة الأطفال والمراهقين على السباحة في المياه الراكدة، ما أدى إلى تكثيف فرق الغطس وتوسيعها إلى المناطق الداخلية وحتى الصحراوية؛ ففي ولاية غرداية التي تُعرف بالفيضانات المفاجئة، توجد فرقة غطس محترفة في الإنقاذ.
وتحاول إدارة الحماية المدنية توفير جهاز متطور تمارَس فيه كل التخصصات العالمية، علما أن الجزائر احتضنت أربع دورات تربصية نظمت لفائدة دول أعضاء في المنظمة العالمية للحماية المدنية سنتي 2006 و2012، وتستثمر الجزائر سنويا في التكوين ما بين 8 إلى 10 ملايير سنتيم، ويوجه غلاف مالي هام لتكوين فرق الغطس، حيث تنفق سنويا ما بين 50 إلى 70 مليون سنتيم على كل غطاس لتأهيله الأولي، ويستمر التكوين خلال سنوات ممارسته للنشاط، كما يخضع إلى نظام غذائي جد خاص يشرف عليه أطباء مختصون.
ونظرا لخطورة الغطس في السدود والمسطحات المائية على أعماق تصل إلى 30 متراً، يُزود الغطاس بجهاز كمبيوتر في شكل ساعة يد يحدد له العمق والضغط والسرعة التي ينزل ويصعد بها، لتفادي حوادث الغطس الخطيرة والتي عرضت بعض الغطاسين في الحماية المدنية إلى الشلل.