إضراب 19 ماي 1956… الطلبة من معركة القلم إلى ساحة الحرب!
لم يكن إضراب الطلبة الجزائريين ذات 19 ماي 1956 اضرابا عاديا ،بل كان رسالة إلى الفرنسيين و العالم مفادها أن طلبة الجزائر لن يعطوا الشرعية للاستعمار في بلادهم ولن يقبلوا بشهادات تسلمها فرنسا على جثثهم وجثث إخوانهم، إضرابهم كان إيذانا بنصر جديد يضاف إلى انتصارات الثورة العسكرية والدبلوماسية التي حققتها في أشهرها الأولى بالتحاق خيرة شباب الأمة بثورتها مدحضين بذلك المقولة الفرنسية التي كانت ترددها في كل المنابر الاعلامية و الهيئات الدولية بأن ما يحدث في الجزائر هو عصيان يقوده ثلة من المتمردين الخارجين عن القانون أو بأنها لاتعدوا أن تكون انتفاضة باعة السردين ،فكان هذا الانضمام بمثابة نصر معنوي بإعلان الطلبة للعالم أنها ثورة نخبة وفكر وتحرر وقبل ذلك هي ثورة شعب عقيدته الأساسية وحدة شعبه ووحدة تراب وطنه.
وفي مقالنا هذا سنحاول تسليط الضوء على إضراب الطلبة الجزائريين في 19 ماي 1956 من خلال شهادات الفاعلين أمثال الأمين خان ،بلعيد عبد السلام، رضا مالك، مسعود آيت شعلال، حفصة بيسكر، زوليخة بقدور وغيرهم ممن صنعوا مجد الجزائر انطلاقا من مدرجات الجامعة ،فكيف كان ميلاد هذا التنظيم الطلابي وكيف تحول الاضراب من مجرد فكرة إلى فعل ثوري وماهي انعكاساته على الثورة؟ أنوه هنا إلى أن هؤلاء الأبطال تركوا شهادات كثيرة حول مسيرتهم النضالية سواء في الجرائد الوطنية أو من خلال مذكراتهم أو الندوات التاريخية، وقد اخترت شهاداتهم التي وردت في كتاب المؤرخ الأمريكي كليرمون هنري مور باعتبار أن المؤرخ متخصص في الحركة الطلابية وعاصر الثورة بل كان صديقا لها وصديقا لمن سجل شهاداتهم لتكون شاهدة على عظمة الثورة وعظمة هؤلاء الرجال .
فرض كلمة (المسلمين) خلال تأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين UGEMA أول انتصار للقضية الوطنية: كانت ولادة الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين عسيرة بسبب الخلاف الكبير الذي نشب بين الطلبة حول تسمية هذا المولود فيما عُرف بمعركة “حرف الميم “، فبين تسميته ب” الاتحاد العام للطلبة الجزائريين UGEA و الاتحاد العام للطلبة (المسلمين )الجزائريين UGEMA كان يدور صراع كبير حول الهوية ،فالشيوعيون المتأثرين بنظرية موريس طوريز أرادوا أن يكون التنظيم وعاء لكل الاتجاهات والتيارات والهويات من مسيحيين ويهود ومسلمين الذين يشكلون هذا الوطن في نظرهم، بينما أنصار التيار الوطني رفضوا هذا الطرح وأصرّوا على أن يكون التنظيم جزائريا خالصا لا ينتمي إليه إلا من يؤمن بالجزائر أمة ضاربة في أعماق التاريخ، يذكر المرحوم رضا مالك بأن” بعض الفرنسيين كانوا ينكرون وجود أمة جزائرية وأسّسوا لهذه الفكرة نظريات ومنهم الأمين العام للحزب الشيوعي موريس طوريز صاحب نظرية “الجزائر أمة في طور التكوين ” وأن هذه الأمة سوف تكون وطنا لكل التيارات و الديانات واللغات منكرين وجود شعب وهوية قبل مجيء الفرنسيين ، هذا الأمر جعل رضا مالك يكتب مقالا عنونه ب” ثوب المهرج” يتهكم فيه من نظرية موريس طوريز وأن الجزائر ليست مثل الثوب الذي يلبسه المهرج متعدد الأوان وسهل التمزيق .” وبالتالي فإن مهمة هذا التنظيم الطلابي هي الدفاع عن هوية الجزائريين التي يحاول المستعمر طمسها ،فكانت أول معركة هي فرض كلمة “المسلمين” في تسمية الاتحاد التي تدل على الجزائريين الأصليين دون غيرهم ،في هذا الصدد يذكر مسعود آيت شعلال رئيس الاتحاد بين 1957-1961 بأن” الطلبة عقدوا خلال مرحلة التأسيس ثلاث اجتماعات بين افريل 1955 وجويلية 1955 كانت بمثابة أرضية للمواجهة بين الأطروحات الإديولوجية والسياسية لكل من أنصار UGEMA و UGEA ولم يكن النقاش يكتسي أي صبغة دينية بل كان يتعلق أساسا بالمسائل ذات العلاقة بهوية الشعب الجزائري وخصوصيته الثقافية ومميزات الشخصية التاريخية للأمة الجزائرية” في الأخير كان الانتصار لانصار إضافة كلمة “المسلمين” بإضافة حرف الميم إلى عنوان الاتحاد الطلابي ليتميز بجزائريته وهويته وجعل UGEMA سدا منيعا في وجه الأفكار التي كانت تسعى لإلغاء هذا الوطن . ليتم اعتماد التنظيم رسميا بعد مؤتمر 8 جويلية 1955 ويبدأ معاركه الحقيقية ضد الاستعمار والاستعمار فقط ،وكان أولها و أهمها إضراب 19 ماي 1956
الالتحاق بالثورة تم بطريقة ديموقراطية:
لم يكن الطلبة الجزائريون في معزل عن الأحداث التي كانت تدور في الجزائر فكانت الثورة ملهمة لنضالهم وكل انتصار لها يشد من عزيمتهم ويزيد من طموحاتهم، فلم يتأخروا في الانضمام لها سواء كأفراد أو ككيان طلابي ،يقول آيت شعلال في شهادته “أن الطلبة الجزائريين وخلال المؤتمر المنعقد في باريس شهر افريل 1956 قرروا الوقوف علانية وبصفة رسمية في صف جبهة التحرير الوطني بكونها الممثل الوحيد للشعب الجزائري وهكذا تم الاعلان رسميا عن الارتباط الوثيق بين إ ع ط م ج وجبهة التحرير”، ورغم هذا فإن جبهة التحرير لم يكن لها تأثير في قرارات الطلبة بخصوص الاضراب، وأول درس لقّنه الطلبة الجزائريون لفرنسا كان الطريقة التي أعلنوا بها الاضراب والتحاقهم بالثورة ، فلم يكن هذا القرار فوقيا ولا صادرا بالقوة من طرف قيادة جبهة التحرير الوطني،مثلما روج له بعض الساسة و المؤرخين الفرنسيين ، حيث جاء في شهادة للأمين خان وهو أحد قياديي الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين بأنه ” لم ترد عبارة جبهة التحرير على ألسن المجتمعين، ومع ذلك أصبح الاضراب قضية جبهة التحرير ” والذي حدث أن قرار الإضراب تم اتخاذه بكل ديموقراطية وشفافية وفي جو ساده الحوار و قوة الاقناع بين الطلبة أنفسهم ،يضيف الأمين خان ” إن الاضراب أمر جلل ….لقد تم اتخاذه بالاغلبية من الطلبة في نادي الدكتور سعدان مقابل أقلية معارضة وقليل جدا من الممتنعين ” ، لقد ساد النقاش بين الحضور الذين تجاوز عددهم الخمسين عضوا في جو ديموقراطي حول فكرة الاضراب وأهدافه ،ورغم وجود اختلاف بين مؤيد ومعارض للفكرة ،إلا أن الأراء أجمعت على أن الإضراب يكتسي أهمية مزدوجة بصداه دوليا وتأثيره إيجابيا على المجاهدين داخليا . تؤكد هذا الكلام المجاهدة حفصة بيسكر وكانت من الموقعين على قرار الاضراب باعتبارها كانت تشغل منصب الأمينة العامة لمكتب الطلبة في العاصمة ” تم عقد الاجتماع الاول الخاص بالاضراب في مركز المدينة تناولنا فيه صياغة المنشور الذي ينبغي توزيعه ثم تم في الجلسة تناقشنا فيها حول المنشور الذي أدخلنا عليه تعديلات وقد أثيرت فيها نقاشات حادة ومن هنا بدأت فكرة الاضراب تسري الى العقول”.
ظروف ما قبل الاضراب: عاش الطلبة الجزائريون ظروف جد عصيبة مع اندلاع الثورة فازدادت حركة العنصرية ضدهم و ارتفعت كمية الحقد من طرف غلاة المعمرين سواء زملائهم الطلبة أو حتى من أساتذة الجامعة أدت إلى خلق جو من التوتر والخوف لدى الطلبة الجزائريين خاصة بعد مقتل أحد تلاميذ الثانوي ويدعى الصغير ابراهيمي في مزرعته في بجاية ثم اغتيال الطبيب المشهور بن عودة بن زرجب في 16 جانفي 1956 ،وبعده اغتيال رضا حوحو الأمين العام لمعهد ابن باديس في 29 مارس 1956 إضافة الى اعتقال وسجن العديد من الطلبة وتعذيبهم من طرف السلطات الاستعمارية خلال هذه الفترة أي مع اندلاع الثورة وتاعطف الطلبة و المثقفين الجزائريين معها في مرحلتها الأولى ،مما أدى إلى إعلان الطلبة عن أول اضراب بتاريخ 20 جانفي 1956 ودام 15 يوما ،كان بمثابة تنبيه للسلطات الفرنسية ، حسب شهادة السيدة زوليخة باقدور عضوة مكتب العاصمة للإ.ع.ط.م.ج التي وردت في كتاب المؤرخ الامريكي هنري كليرمون مور بعنوان ( الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين -شهادات- ) ” كان أبناء الأقدام السود يمنعوننا من أي نشاط …كنا نتعرض للمضايقات في أقسام الدراسة وفي المكتبة ،كنا نفضل اجتناب المظاهرات المعادية لنا والمتربصة بنا سوءا ..” نفس الأمر تؤكده فضيلة صحرواي مناضلة في صفوف الاتحاد حيث تقول ” إن الطلبة هم من قرروا الاضراب واتخذوا ذلك القرار عن قناعة ، لقد دفعنا الفرنسيون لذلك بعد ان سدّوا في وجوهنا جميع المنافذ فلم نعد نطيق والقهر و الظلم ،كنا على يقين تام بأننا نناضل من أجل وطن كان يشق طريقه نحو الاستقلال مهما كان الثمن …ولقد أثر فينا أحد الطلبة بقوله ” إننا سنحصل على شهادات لن تصلح لشيء سوى لتأطير جثثنا “
إشاعة اغتيال فرحات حجاج والدعوة للإضراب الطلابي
بعد كل هذه الأحداث ،برز خبر كان له التأثير الكبير على قرار الطلبة الجزائريين تمثل في اغتيال طالب جزائري يدعى” فرحات حجاج “بعد إلقاء القبض عليه وتحويله إلى ثكنة عسكرية ، ورغم أنه كان مجرد إشاعة إلاّ أنه سرّع في اعلان الإضراب ،يذكر بلعيد عبد السلام المؤسس والقيادي في UGEMA أن أحد السياسيين الفرنسيين اتصل به قائلا ” إن الشخص الذي اشعتم بأنه قتل وبسببه اندلع الاضراب لم يمت وهو في صحة جيدة”، يضيف بلعيد عبد السلام أن” إشاعة اغتيال فرحات حجاج قد هيجت العواطف و أثارت الانفعالات “،نفس الكلام تؤكده باقدور “إن السلطات الاستعمارية لم تأخذ تحذيرنا بإضراب جانفي محمل الجد لذلك كان لزاما على الطلبة التحرك وبسرعة دون المزيد من التريث والانتظار فكان الاجتماع الأول بتاريخ 17 ماي ثم الاجتماع الثاني في اليوم الموالي بحي روبيرتسو (تيليملي حاليا) أين تم إعلان الإضراب ، بحضور الأمين خان،بن يحيى، علاوة بن بعطوش،ف ضيلة صحراوي، حفصة بيسكر ، الصالح بن القبي ،عمارة رشيد، مريم بلميهوب ، وغيرهم وحدود الإطار الذي ينبغي التحرك فيه وتم ذلك عن طريق التصويت بالأغلبية ، بعدها تم نشر بيان ، ليغادر الطلبة مقاعد الدراسة ويلتحقوا بمعاقل الكفاح “.
في نفس الفكرة يذكر أول رئيس للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين المرحوم احمد طالب الإبراهيمي “أن فكرة الإضراب غير محدود لم تكن واردة في أول الأمر، إلا أن الوضع اقتضى إحداث صدمة قوية لكي يغادر الطلبة مقاعد الدراسة ، واعتقد أن الفكرة لقيت نجاحا تاما وأن الجميع اتفقوا على ذلك عدا بعض الحالات الاستثنائية الطفيفة، هذا الاضراب أتاح لبعض الطلاب فرصة الالتحاق بمعاقل الكفاح و للبعض الآخر الانتقال إلى تونس و المغرب..”
أصبح إذن الإضراب بعد 19 ماي 1956 قدرا محتوما للطلبة ،ولم يزدهم ذلك إلاّ عزيمة وإصرارا للمضي في نضالهم ، فالتحق بهم طلبة الجزائر في فرنسا خاصة في مونبوليي وباريس ،وقد وجدوا في قيادة جهة التحرير الملاذ الآمن حيث لم تتخل عنهم هذه الأخيرة بل راحت تؤطرهم وتستفيد من نشاطهم، حيث يذكر مولود بلهوان وهو ثاني قيادي في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين بأن “بن يوسف بن خدة أوفد بلعيد عبد السلام لتتبع نتائج الاضراب ،كما أوصاهم على تعفين الوضع كما ينبغي استغلال الاضراب للقيام بحملة دعائية في كل مكان لا سيما في المؤتمرات التي كانت تعقد في شتى أنحاء العالم ..” لقد لخّص بيان الإضراب المطالب الحقيقية للطلبة الجزائريين حسب مسعود آيت شعلال فكانت أهم مطالبه :تمسك الاتحاد بمطلب الاستقلال-الاعتراف بجبهة التحرير الوطني كممثل شرعي وحيد للشعب الجزائري-دعوة الحكومة الفرنسية للتفاوض مع جبهة التحرير ، يضيف آيت شعلال” أن الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين كان يعتبر نفسه وحدة قتالية مندمجة تلقائيا ضمن الكفاح التحرري”.
إن ما يمكن قوله كنتيجة لهذا العمل الثوري أن انضمام الطلبة الى الثورة كان بمثابة نصر آخر يتحقق مع دخول الثورة عامها الثاني ،بل كان أشد وطئا فأصبح لدى الثورة كميائيين ومفكرين وأطباء وممرضين و أساتذة وصحفيين هذه النخبة رجّحت الكفة لصالح الثورة الجزائرية ليس محليا فقط بل على المستوى الدولي وفي المنابر العالمية،إضافة إلى أن النضال والمبادىء والقيم التي تحلى بها الطلبة الجزائريون في دفاعهم عن هويتهم ووطنهم والتضحية بالغالي و النفيس من أجل استقلال بلادهم وعدم خنوهم وخضوعهم جعلت الكثير من المفكرين والفلاسفة يتعاطفون مع الثورة مثل موريس أودان،الفيلسوف جون بول سارتر و فرانسيس جونسون وغيرهم ممن دعم الثورة بالقلم و بالمال و حتى السلاح.ولم يتوقف كفاح الطلبة باستقلال الجزائر بل تواصل بعد ذلك ليكونوا بناة الجزائر بعد الاستقلال من خلال مختلف المهام والوظائف التي تقلدوها محليا ودوليا فساهموا بذلك في عملتي التحرير و التعمير.