الرأي

الفاروق عمر

في نهاية السبعينيات من القرن الماضي خطر في ذهن عالم أمريكي – يُسمّى مايكل هارث – أن يؤلف كتابا يؤرخ فيه لمائة شخصية ذات التأثير الأكبر في التاريخ البشري، وليس من الضروري أن يكون هذا التأثير إيجابيا؛ بل إن من هذه الشخصيات من كان وجوده في التاريخ لعنة وكارثة، ثم آلى على نفسه أن يرتب تلك الشخصيات الأول فالأول حسب أهميتها، بعد التزامه مقاييس معينة.

كانت مفاجأة المفاجآت أن يكون رسول اللهصلى الله عليه وسلمهو الشخصية الأولى الأكثر تأثيرا إيجابيا وأهمية في تاريخ البشر، قبل أية شخصية أخرى، دينية أو سياسية، أو علمية، أو عسكرية

ثارت ثائرة المتعصبين والعنصريين من الغربيين، وقاموا ولم يقعدوا، ولكن لم يؤثر ذلك كله في هذا العالم، فلم يتراجع، وثبت في موقفه، لأنه لم يكن فيما انتهى إليه منجّما ولا راجما بالغيب؛ بل كان عالما، خاضعا للعقل، نابذا للأهواء، مدليا بالأسباب الموضوعية التي قادته إلى ما انتهى إليه.

ونحن المسلمين نجدد الشكر لهذا العالم؛ لا لأنه أكد أن سيدنا محمداعليه الصلاة والسلامهو أهم شخصية في تاريخ الإنسانية من لدن آدمعليه السلامفذلك ما نؤمن به إيمانا لا شية فيه ولا ريب؛ ولكن نشكره لأنه لم يخن الضمير العلمي، ولم يلو عنق الحقيقة كما فعل كثير من الغربيين وفي مقدمتهم الصليبي هنري لامانس، وصامويل زويمروشارل لافيجري، وآخرون من دونهم، خاصة من المنتسبين إلينا ممن سماهم المؤرخ الرحالة الألماني هاينريش فون مالتسانمخلوقات الفرنسيين“. (ثلاث سنوات في شمال غرب افريقيا. تعريب: د. أبو العيد دودو. ج1، ص208).

وأما الشخصية الإسلامية الثانية التي ذكرها بين المائة شخصية فهي الخليفة الراشد الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وإن كنا لا نوافقه على الرتبة التي وضعه فيها، وهي الرتبة الثانية والخمسين.

ومما ذكر هارث من الأسباب التي اختار عمررضي الله عنهبسببها أن حققالفتوحات الكبرى للاسلام،وكان خليفة حكيما وسياسيا بارعا،لم يفرض الإسلام على أحد بالقوة، وما آنجزه شيء باهر ومدى ما تركته (جيوشه) من أثر في التاريخ أخطر بكثير مما تركه كل من يوليوس قيصر وشرلمان، وكان يمكن أن يضاف إلى تلك الأسباب أمورا أخرى كإشارته على أبي بكررضي الله عنهبجمع القرآن الكريم، وتساؤلاته للرسولصلى الله عليه وسلمالتي تنزل القرآن الكريم إجابة عنها..

 

لقد رأيت أن شخصية إسلامية أخرى كانت جديرة أن تكون ضمن هؤلاء المائة أو بدلا من بعض هؤلاء المائة، وأعني بهذه الشخصية القائد الذكي والسياسي النبيه السلطان العثماني محمد الفاتح، ويكفيه خلودا ومجدا أنه أسقط عاصمة استعصت على من قبله، وهي القسنطنطينية كما أسقط الامبراطورية البيزنطية التي استمرت حوالي عشرة قرون، وقد تنبه كثير من المؤرخين الغربيين إلى أثر ذلك السقوط في التاريخ فجعلوا سقوطها في 1453م نهاية لما سموهاالعصور الوسطى، وقد تنبأ رسول اللهعليه الصلاة والسلامفي غزوة الخندق بسقوطها، وقال ما معناه بأنها ستفتح،فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش جيشهاأو كما قالصلى الله عليه وسلم-.

مقالات ذات صلة