الفاعلية رباعية الدفع
ما خلق الله عليه الناس وطبعهم عليه، أنهم قابلون للتفاعل مع الطبيعة والمحيط وما به من أحياء وجمادات ومفردات الحياة، إذ جعلا حركة البشرية كلها بمثابة القوى المتفاعلة والمتدافعة فيما بينها أيضا، فكل الناس متفاعلون ومتدافعون، ولكن الفارق بينهم، أن تفاعلهم ومدافعاتهم التي يمارسونها متفاوتة من شخص لآخر، ومن جماعة لأخرى، ومن مجتمع لآخر، وهم في ذلك ثلاثة مستويات: مستوى التدافع من أجل الحاجة، ومستوى التدافع من أجل البقاء، ومستوى التدافع من أجل الخلود.
أما التدافع من أجل الحاجة، فيتمثل في العمل لتحقيق الحاجات الخاصة الفردية والفئوية، وهو مستوى الفاعلية الأقل والأدنى في حركة الإنسان، لكونه قاصرا على صرف الطاقة التي تحقِّق الحاجة، وهذا المستوى من التفاعل والتدافع ليس عيبا؛ بل هو الفطرة التي فطر الله عليها البشر، وحاجة لا بدّ من تحقُّقها في حياة الفرد كما جاء في نظرية إبراهام ماسلو “هرم الحاجات الإنسانية”، وذلك مشترك إنساني عامّ، وضرورة لا بد منها.
ولكن العيب عندما يقف جهد الإنسان وتفاعله ودافعيته عند هذا الحد، وهو قادر على تحقيق المستويين الآخرين؛ لأن هذا القدر ليس ميزة بشرية، وإنما تشترك فيه البشرية مع غيرها من باقي الكائنات، التي تحركها الحاجة إلى الأكل والشرب والدفء والبرودة والشعور بالخطر… إلخ، وما كان كذلك لا يعدّ فضيلة تميز الإنسان الذي كرمه الله وفضّله على كثير من الخلق.
أما مستوى التدافع من أجل البقاء، فهو مرتبة أعلى من التي قبلها القاصرة على السعي لتحقيق الحاجة، لأن غايته أسمى وهي العمل من أجل المحافظة على البقاء، بمقاومة جميع المخاطر والمثبِّطات، وقد وصف أرنولد توينبي هذا المستوى بـ”التحدي والاستجابة”، لكون الفاعلية والدافعية تتحقق بفضل الاستجابة للتحدي، سواء كان ذلك نتيجة الشعور بالخطر المباشر أو غير المباشر أوغير ذلك من المثبطات والمخاطر والتحديات، أو أي معنى آخر يثير هذه الغريزة، فتتحرك برد الفعل الطبيعي المضاد للمثبِّطات والمخاطر والتحديات.
وهذا المستوى من الفاعلية والدافعية قوي جدا، ولكنه لا يحقق الدافعية بمستواها الإنساني المطلوب؛ لكونه لم يخرج عن قانون الحاجة البشرية، ولكن ما تميز به عن الحاجة المتواضعة، هو الانتقال من الحاجة الفردية الفئوية، إلى الحاجة الجماعية؛ لأن الشعور بالخطر يحرِّك الجميع، ولكن في إطار تحرُّكٍ منحصر في دفع الخطر، الذي يحفظ للجماعة البقاء، وليس لتحقيق غايات أسمى للإنسان وهي مطلوبة، وذلك يشبه القانون الفيزيائي المعروف “لكل فعل ردّ فعل مساويٌّ له في القوة مضادّ له في الاتجاه”، وذلك مستوى مهم ولكنه لا يمثل الاستثناء، فجميع حركات التحرر والكثير من الحضارات كان محركها هو هذا الشعور بالخطر والظلم والغبن، ولكن الأفضل من هذا المستوى هو المستوى الثالث، وهو مستوى الفاعلية والدافعية من أجل الخلود.
ذلك أن الخلود يتضمن جميع مستويات الفاعلية والتدافع، فبه يتحقق الحرص على تحقيق الحاجة والنفع الذاتي؛ لأن الفرد أو الجماعة التي لا تهتم ببنائها الذاتي، لا يمكن أن تحقِّق البقاء؛ لأن اختلالات الفرد في نفسه وحاجاته الضرورية لا يمكن أن تحقِّق له البقاء، وإذا تحقَّق ظل بقاءً مضطربا… ولذلك كانت حاجات الأفراد في المجتمعات من الضرورات التي يجب الحرصُ على تحقيقها؛ لأنها الخطوة الهامة لما بعدها، الذي تتّسع فيه دائرة الحاجة من حاجة الفرد إلى حاجة الجماعة.
أما المستوى الثالث الذي هو التفاعل والتدافع من أجل الخلود، فقد انتقل إلى مستوى آخر تجاوز مستوى الحاجة الفردية والجماعية إلى مستوى الخلود، الذي يحقق معنى أرفع وأعلى من مستوى الحاجة الفردية والجماعية وإنما يحقق غايات سامية، بل إن هذا المستوى يرتقي بالإنسان إلى المعنى العامّ للبقاء القيمي الإنساني، وبذلك خَلَّدت الحضارات قيمها ومنجزاتها المادية والمعنوية.
ومستوى الفاعلية والدافعية من أجل الخلود أيضا قسمان: قسم يسعى من أجل الخلود الذاتي، بما يحقق الفرد او الجماعة من إبداعات في الحياة، وهو خلودٌ قاصر على ذلك وحسب، وقسم خلود كامل، وهو الخلود الذي يُؤمِّن المصير الأخروي، إذ يكون حرص المرء على آخرته أكثر من حصره على المكتسبات المادية الدنيوية.
ذلك لا يتحقَّق إلا بالوعي وبمراعاة جملة من القوانين أودعها الله في هذا الوجود، وهي القوانين الناظمة لحركة الوجود وعلاقات الأشياء بعضها ببعض، وهي التي سماها أستاذنا المفكّر الجزائري الكبير الدكتور الطيب برغوث “ميزانية التسخير”، في إطار مشروعه الفكري الذي أطلق عليه اسم “منظور السننية الشاملة”.
ويقصد بـ”ميزانية التسخير”، رأس المال الذي وضعه الله بين يدي الإنسان للاستثمار فيه والاستثمار به، وهو متاح لكل من يريد الاستثمار في هذه الحياة، إذ جُبل الإنسان على الشوق إلى الظفر بهذا المكسب الكبير، والسعي إليه.
وإذا كلن هذا المستوى الثالث فهو الأفضل والأعلى، على اعتبار أن السعي إلى الخلود، من أرقى ما يهدف إليه الإنسان، فإن الفاعلية والمدافعة من أجل الخلود الكامل، هي أفضل وأعلى هذين القسمين؛ لأن القسم الأول، الذي سمّيناه “الخلود القاصر” قاصرٌ على السعي لتحقيق معنى من معاني الخلود المتعلقة بالمكاسب المادية الدنيوية، من ألقاب البطولات الرياضية والفنية والجوائز الدولية التي تُمنح للمتفوقين في المجالات المعرفية المختلفة، والمخترعات التي تخلّد الأسماء والقيم التي عمل عليها أهلها، وغير ذلك من المبتكرات المتنوّعة، بينهما الفاعلية والدافعية من الخلود الكامل تكون في سبيل فوز الإنسان بالرضوان الإلهي، وهو الذي يراعي في جميع أعماله الخاصة والعامة ما يحقق المصلحة الخاصة والعامة بالمطلق، ويراعي حاجات المجتمع كما يعمل على حاجاته الشخصية، ويحرص على الرضا الإلهي، وهذا المستوى من الخلود وآليات السعي فيه، في الغالب يكون أهله من الفائزين في جميع مستويات الفاعلية كلها، فلا يشعرون بالحاجة الخاصة، ومستعدون للتفاعل إيجابيا مع المخاطر والمهددات، وتتحول في أذهانهم متاعب الدنيا والمكابدة فيها إلى متع يتمتّعون بممارستها في الحياة، وذلك ليس حبا في المتاعب والعراقيل، وإنما لكونهم يتعاملون معها بوصفها من طبيعة الطريق وسبب الابتلاء.
وذلك لا يتحقَّق إلا بالوعي وبمراعاة جملة من القوانين أودعها الله في هذا الوجود، وهي القوانين الناظمة لحركة الوجود وعلاقات الأشياء بعضها ببعض، وهي التي سماها أستاذنا المفكّر الجزائري الكبير الدكتور الطيب برغوث “ميزانية التسخير”، في إطار مشروعه الفكري الذي أطلق عليه اسم “منظور السننية الشاملة”.
ويقصد بـ”ميزانية التسخير”، رأس المال الذي وضعه الله بين يدي الإنسان للاستثمار فيه والاستثمار به، وهو متاح لكل من يريد الاستثمار في هذه الحياة، إذ جُبل الإنسان على الشوق إلى الظفر بهذا المكسب الكبير، والسعي إليه، وعلى القدرة على اكتشافه واكتسابه وتحقيق ما يريد به، بما جُبل عليه المرء من فضول معرفي دائم ومستمر، فلا نجد الناس يختلفون في ذلك مهما اختلفت مشاربهم ومذاهبهم ومعتقداتهم مواقعهم في الحياة (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) [الإسراء 20].
ومن قوانين الله في الوجود، أن الإنسان خُلق ليتحرك لا ليركد وذلك هو التفاعل والمدافعة، فسواء سمّينا هذا الإنسان خليفة في الأرض، أو مكلفا بعمارة الأرض، مكلفا بالنهوض وبتحقيق الحضارة، أو بتحقيق الاستقلال، أو بتحقيق الرفاه والسعادة… وكل ذلك الذي نسميه الفاعلية أو الدافعية، هو المحقق لطموحات الإنسانية بجميع مدارسها وتوجهاتها المعرفية.
والطريف في الفاعلية رباعية الدفع هذه [الحاجة، والبقاء، والخلود القاصر، والخلود الكامل]، أن بعضها فطري وبعضها مكتسب.
أما الفطري منها وهو الحد الأدنى من مستويات الفاعلية؛ لأن الحاجة في حياة الإنسان والفضول، جِبلة لا يستغني عنها أحدٌ من الناس، يشغلها المرء بكثير من الوسائل، وذلك بحسب فاعلية الانسان ومستوى وعيه، فمن الناس من يحقِّق حاجاته بالعمل وتكثيف الجهد والمكابدة ومصارعة متاعب الحياة، ومنهم من يحققها بالتسوّل، ومنهم من يحققها بالاحتيال والسرقة ومخادعة الناس.
أما المكتسب منها فلا يتحقق إلا بقدر من الجهد والمكابدة المتمثلة في الإيجابية والاستعلاء عن الدنايا والحرص على طلب المعالي، لأن هذا الصنف من الناس هو الذي توجد فيه روح الجماعة والحرص على تماسكها وعلى تحقيق المكاسب الكبرى بعيدا عن الذاتية المفرطة القاصرة على إشباع الذات، وقد صوّر لنا القرآن مستويات الفاعلية بحدِّيها الأدنى والأعلى في أجلى صورة بضرب بمثل (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [النحل 76].
فالأبكم الكَلُّ على مولاه يمثل أدنى درجات الفاعلية، ومن يأمر بالعدل هو الذي
على صراط مستقيم.
ولنا موعد آخر للكلام عن “ميزانية التسخير” التي بها يرتقي بها الإنسان في مراتب الفاعلية… في حديث الأسبوع المقبل بإذن الله.