الفايسبوك.. أوله حب واشتياق وآخره محاكم وطلاق
مع أواخر سنة 2006 عرف موقع الفايسبوك للتواصل الاجتماعي البداية الحقيقية له، وكان مجرد وسيلة إضافية لتعارف الناس والتقارب بينهم، إذ بإمكان أي شخص على وجه المعمورة الانضمام إلى هذا الموقع من خلال حساب خاص والتواصل مع أي فرد في أي منطقة جغرافية كان.
في الجزائر، وخلال الخمس سنوات الأخيرة أحدث الفايسبوك انقلابا في مجتمعنا وخاصة في حياة الشباب والمراهقين، الذين تفاعلوا مع التطورات التي حصلت في نظام هذا الموقع، مثل توفر الدردشة الآنية وأن يحدّث الواحد الآخر في أي مكان حتى لو كان في كاليفورنيا أو أستراليا بالصوت والصورة، فصرنا نرى ملايين من الأشخاص وراء شاشات الكمبيوتر يقضون ساعات طوالا في الدردشة في عالم مستقل تسوده الافتراضية. لقد صار الفايسبوك من الاختيارات التي تقدم للكثير من الشباب مجالات أوسع للبحث عن أصدقاء ومعارف والأهم بالنسبة إلى الكثير الحصول على شريك الحياة، ضمن مجموعة من الأصدقاء والمعارف ومع الدردشة المستمرة واستخدام العقل ومقاييس الاختيار التي يعتمدها كل واحد أو واحدة قد يجد نصفه الآخر.
إذا كانت دراسة أمريكية أخيرة قد أفادت بأن التعارف عبر الأنترنت وخصوصا الفايسبوك يقلل من حالات الطلاق وهذا راجع إلى ثقافة وطبيعة الإنسان الأمريكي التحرري، فإن الدراسات الأخيرة في الجزائر أكدت أن معظم من تعارفوا وتزوجوا عبر الفايسبوك كان مآلهم إلى المحاكم ورفع دعاوى الطلاق، ويشملهم أيضا حتى من تعارفو في أماكن العمل أو في الشارع أو بطرق تقليدية لكنهم جعلوا من الفايسبوك طريقة للتواصل فيما بينهم.
قصص لجزائريين تزوجوا من الفايسبوك وكان مصيرهم الطلاق.
هشام، شاب 26 سنة، من مدينة عنابة يقول: “كنت دائما أعتقد أن الفايسبوك مجال للتسلية وخصوصا بالنسبة إلى أولئك الشباب المستهترين الذين يتلاعبون بمشاعر الفتيات.. إلى أن وقعت مرة على صورة فتاة جزائرية من العاصمة كانت جميلة جدا ذات 20 سنة، طلبتها للصداقة، في البداية كانت دردشة عادية ومع مرور الوقت أحسست بشيء يشدني إليها خاصة مع أسلوبها الجذاب في الحديث وطريقة كلامها، لأجدها هي كذلك تبادلني نفس الاهتمام ومع الأيام اعترفنا بحبنا لبعضنا، صرنا نتحدث ساعات طوالا وراء شاشة الكمبيوتر بالصوت والصورة. كبرت علاقتنا جدا وصرنا لا يمكننا أن نستغني عن بعضنا.. لذا قررنا أن نلتقي وفعلا التقينا مرتين وازددنا تعلقا.. فقررنا الزواج، فعلا تم الزواج. قضينا ثلاثة أسابيع في الجنة، لتليها أسابيع أخرى من الجحيم حيث تحول زواجنا بعدها إلى كابوس بسبب كثرة الخلافات والشجارات بيننا، اكتشفنا أننا نختلف كثيرا في الأخلاق والطباع. في الحقيقة، الواقع يختلف كثيرا عن الصورة الخيالية التي كان يرسمها كل واحد منا للآخر. فعلاقتنا كانت مبنية فقط على الإعجاب بالصفات المعروضة للشريك الافتراضي. نحن بصدد الطلاق.. والحمد لله أننا لم ننجب”.
أما ياسمين من تيزي وزو فتقول إنها تعرفت صدفة على شاب تونسي مقيم بفرنسا في مطار أورلي، وقد أعجبا ببعضهما فتبادلا حسابيهما على الفايسبوك.. “تطور وطال الحديث بيننا عبر الفايسبوك ثم الهاتف، وبعد فترة قام بزيارة الجزائر ودعوته إلى زيارة أسرتي ففاجأني بطلبي للزواج، وبعد تفكير لم يدم طويلا وافقت على ذلك وبالفعل سافرت معه إلى فرنسا لأكتشف بعدها إنسانا آخر ذا طباع غير تلك التي رسمتها في مخيلتي خلال تعرفنا في الفايسبوك وحديثنا في الهاتف. فطلبت فورا الطلاق” تكمل ياسمين حديثها: “بعد تجربتي هذه أعتقد أن الزيجات التي تتم عبر الأنترنت لا تستمر طويلاً غالبا إلا أن يكون الطرفان منسجمين،الزواج عبر الأنترنت يرتبط فقط بما يقوله الشخص عن نفسه، أنا أفضل الآن الزواج التقليدي لأنه لا يتم إلا بالسؤال والتقصي عن أخلاق الشاب والفتاة ومتابعة تصرفاتهما من قبل الأهل لفترة قبل الزواج”.
وتبقى الأمثلة كثيرة عن حالات الطلاق الكثيرة التي تعالجها محاكم الجزائر ويكون السبب المباشر فيها التعارف في الفايسبوك وكثرة التواصل فيه ومعظم الذين وجدناهم يطلبون الطلاق هم دون سن الثلاثين.
هذا ورغم أن الفايسبوك أو أي وسيلة افتراضية قد يوصف بأنه يوفر فضاء حرا لتبادل الحديث من خلال نقاشات وحوارات بين شباب وفتيات يمكن للواحد فيهم أن يتعرف أكثر على الآخر ولو نظريا قبل الوقوع في قفص الحياة الزوجية، إلا أنه وحسب كثير من المحللين النفسانيين والاجتماعيين هذا التعارف يصطدم بجملة من المعوقات العملية لعل من أهمها حسب الاخصائي الاجتماعي فهيم بن عيسى أن الاتفاق والسعادة عبر النت سرعان ما ينقلب إلى خلاف وشقاء في معترك الحياة الواقعية، لأن الفايسبوك عالم افتراضي وفي غالبه لا يمت بصلة إلى واقعنا ومثل هذه التعارفات والدردشات يحوطها الكذب والمبالغات والتحلي بمظاهر زائفة، لذا فهو ليس وسيلة مجدية لتكوين أسرة راسخة جذورها في المجتمع، بل ستكون أسرة هشة يعصف بكيانها أي مشكل طارئ.