الفساد في الجزائر والجريمة في مصر
كانوا يسمونها قلعة الثوار ومأوى أحرار العالم لكنها بعد خمسين سنة من استرجاع سيادتها أصبحت تسمى بلد” الفساد والمفسدين” وسلطة “الحزب الواحد المتعدد الوجوه السياسية”، تلك هي جزائر 2013م التي لم يبق من ماضيها حاضرا سوى مجاهديها الذين يرحلون من حين لآخر دون أن يسجّلوا شهاداتهم عن المعارك التي شاركوا فيها، أمّا مصر التي احتضنت ثوار الجزائر وقادت الوطن العربي على مدى ستين سنة فقد تحوّلت إلى سلطة “ذات حزب واحد” تَسْحل أبناءه في الشوارع وتنكل بهم.
الجزائر باتت قامة ثورية دون ثوار ومصر أضحت قامة فكرية وفنية دون مفكرين وفنانين، هكذا صار البلدان عبئًا على شعبيهما، بالأمس القريب استخدما كرة القدم للمساس بماضيهما المجيد واليوم يستخدمان السكوت إزاء ما يتعرض له الفلسطينيون من إبادة وتنكيل وحصار دون وجود لهذين البلدين على الساحة العربية والدولية، فهل كانت التعددية في الجزائر لصالح الجزائريين أم أن أصحابها ألبسوها قناعا لمزيد من الفساد، وهل كانت الثورة في مصر نقمة على الشعب أم نعمة على من سرقوها؟.
.
أي مستقبل لـ “المغضوب عليهم”
أعترف أن الفساد في الجزائر هو الشهادة الوحيدة التي يتحصل أصحابها على امتيازات بفضلها بدأت بالدينار الرمزي لنهب أملاك الدولة في عهد الحزب الواحد وحين فقد هذا الدينار قيمته الحقيقية تحوّل إلى وجبة إطعام لطلبة العلم في الجامعات الجزائرية بعد أن تدنى مستواها في التقييم والتقويم الدوليين، وهكذا تطور النهب ليشمل 87 يومًا في السنة الواحدة التي هي أعياد دولية أقرتها الأمم المتحدة وهي في الجزائر مناسبات تستغل لتبديد المال العام .
عندما كنا ندرس في جامعات باريس كانت أخبار الجزائر تزيد في عزيمتنا فأمثال كارلوس والشهيد محمد بودية وليلى خالد يمثلون رموزًا لنا، فقد تابعت رسائل كارلوس التي كان يرسلها إلى أسرته من فندق (ألبير 1) بالجزائر والذي سلّمته السودان إلى فرنسا دون مقابل.
كان المركز العائلي ببن عكنون بالعاصمة يحتضن عائلات الثوار من مختلف دول العالم وكان كاتب يسين يجتمع معهم إلى جانب المسرحي والروائي حميدة عياشي، وكنت أراقب صديقة الشاعر الكبير بابلونيرودا وهي تتجول في حدائقه واليوم صار مجرد سكنات اجتماعية.
بالأمس كان الجنرال سعد الدين الشاذلي يجمعنا في إقامته بأعالي العاصمة ليحدثنا عن العروبة والإسلام في مصر وهو يفتخر بوجوده في الجزائر، وكان المناضل المغربي محمد البصري يجمع المجاهدين حوله ويحدّثهم عن وحدة المغرب العربي وهو لا يفارق المقاتل وديع حداد الذي كان يحمل همّ الثورة الفلسطينية وحلم تحريرها قبل أن تغتاله أيادي الموساد الصهيونية وتغتال من حماه وهو الراحل الرئيس هواري بومدين.
وعندما لجأت الجزائر إلى المجاهد محمد بوضياف الذي كان رمزًا من رموز الثورة فوجئنا “بحزب فرنسا” يحتل رئاسة الجمهورية ليبعد الجنرال سعد الدين الشاذلي من الجزائر ليعود إلى مصر وينقل من الطائرة إلى السجن في عهد حسني مبارك وهو أحد أبطال ثورة 10 أكتوبر 1973م، كما يبعد محمد البصري زعيم المقاومة المغربية من الجزائر وكان هدف إبعادهما هو الاستيلاء على إقامتهما الرئاسية.
مات الجنرال سعد الدين يوم سقوط نظام مبارك، ومات قبله محمد البصري دون أن يشارك رفاقهما في الجزائر في تشييعهما.
وجاءت الثورات العربية لتسقط أنظمة الفساد والاستبداد فصارت الجزائر ملجأ لكل من غضب عليه شعبه، فبعد عائلة القذافي قد تأتي عائلة بشار الأسد وعائلات حكام آخرين، فهل هذه هي جزائر الثورة والثوار؟ ولماذا ترفض السلطات الجزائرية استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الجزائر التي ولدت فيها الثورة الفلسطينية عام 1965م وأعلن عن ميلاد الدولة فيها عام 1988م؟، فهل لأنه لم يحضر جنازتي الرئيسين أحمد بن بلة والشاذلي بن جديد أم لأن أمريكا تخلت عنه؟ وهل يعقل أن يغيب رئيس فلسطيني أو جزائري عن جنازة الرئيس الفنزويلي الذي أعطى للشعب الفلسطيني وللفلسطينيين ما لم تعطه دولة عربي؟ ة واحدة على مدى 60 سنة.
.
هل فلسطين خطر على الأمن المصري؟
من يرصد ما يكتب في الصحافة المصرية حول فلسطين أو ما يقدم في البرامج التلفزيونية حول غزة يصاب بـ”الغثيان” ويشعر بالمرارة لما آلت إليه مصر الثورة؟ من كان يصدق أن ترتفع أصوات الضباط المصريين ممن كانوا في عهدي أنور السادات أو حسني مبارك متهمة غزة بأنها تعمل ضد مصر وتنهب خيراتها وزاعمة بأنها صارت “خطرا” على الأمن القومي المصري، ومتى كان مليون ونصف مليون فلسطينيا محاصرا خطرا على دولة في حجم مصر ويهدد أمن 80 مليونا مصريا؟.
الإجابة بسيطة وهي أن السلطة التي تطلب من مواطنيها أن يتحوّلوا إلى شرطة أو بتعبير النائب العام المصري “ضبطية قضائية” أو على حدّ تعبير الشارع المصري “فتنة” تفقد شرعية ما يسمى بالأمن القومي ولو أنها درست التجربة الجزائرية (1992 ـ 1999م) لاكتشفت أن الجزائر قامت بالخطوة نفسها وفشلت في تحقيق الأمن، وعندما يغطى تمثال أم كلثوم بالأسود وينهب قبر جمال عبد الناصر فمن الطبيعي أن تصبح فلسطين خطرا على الأمن القومي المصري.
إن النظام المصري الحالي يعيد استنساخ النظام الذي أسقطته الثورة المصرية، والنظام الجزائري الراهن يعيد إنتاج نظام مجموعة “وجدة ” وسقوط النظام في مصر سيؤدي الى كارثة عربية وعلى النخبة المصرية أن تعمل من أجل تغييره لا إسقاطه، كما أن سقوط النظام الجزائري الحالي سيؤدي إلى حرب أهلية وعلى النخب الوطنية وأصحاب القرار العمل على تغييره من الداخل.
وإذا كانت الماسونية قد عززت قوة الكيان الصهيوني فإن اللوبي اليهودي قد دعّم هذا الكيان على المستوى الدولي، كما أن خلايا “الروتاري” المنتشرة في الفنادق الكبرى لمعظم الدول العربية تعمل على تفكيكها داخليا باستغلال نخبها في النوادي الصهيونية.
أما “الإخوان المسلمون” فإنهم أهم تنظيم في العالم كان بإمكانه أن يوحد الأقطار العربية وأن يقود فكرة تحرير فلسطين لكن حقده على من أبعدوه عن العمل السياسي أفقده القدرة على التسيير وجعله مجرد أداة في يد رجال المال وحتى لا أكون مبالغا فإن الإخوان في الجزائر كانوا في هذا التنظيم الّدولي الى جانب دولتين من المغرب العربي وكان المرحوم محفوظ نحناح ممثلا لهم ، لكن من خلفوه ضيعوا هذا المقعد.
الجزائر انتقلت من عهد الجريمة المنظمة خلال فترة 1992 -1999م إلى عهد الفساد المؤسساتي، وانتقلت مصر من الفساد الممنهج إلى الجريمة المعلنة في حق الغاضبين على النظام القائم.