الفقر يدفع أمهات إلى إجهاض أجنتهن الشرعيين
هن أمهات حاولن قتلن أجنتهن “الشرعيّين” عن سبق إصرار وترصد، بعد ما اعتبروهم غلطة غير مرغوبة، ونبذوهم قبل إبصارهم نور الحياة، متحججات بنقص في المال أو الصحة وصعوبة المعيشة، لكن مشيئة المولى أرادت للصبي أن يولد ويكبر، أمام عيني والدته التي نبذته جنينا، ثم احتضنته طفلا، فحرمها الله إياه وهو شابا.
سيدات كثيرات يعتبرن بعض أولادهن غلطة، ويحاولن التخلص من هذه الغلطة “الشرعية”، بشتى الوسائل، مُتناسيات أن الحمل جاء بمشيئة الرحمان، وكما يقال كل طفل يجلب رزقه، لكن الأمهات وبحجة الفقر والحاجة يحاولن التخلص من أجنتهن… وفجأة بعد فشل محاولة “القتل”، ينقلب شعور الوالدة إلى حب جارف للولد، لدرجة أنهن يفضلنه عن بقية الأولاد، لكن الحياة وكأنها تعاقب هاته الأمهات الجاحدات للنعمة، فتحرمهن لاحقا من أولادهن وبطريقة مأساوية، وأخريات تمكّن من إجهاض أجنتهن، فدفعن الثمن غاليا.
هي قصص حقيقية مأخوذة من مناطق مختلفة، نبدأها بقصة السيدة “ز” من ولاية غليزان تبلغ 56 من عمرها، أنجبت ثمانية أولاد، وعندما حملت بابنها التاسع وهي في سن 36 سنة، رفضت الأمر وحاولت التخلص منه، تقول “زوجي كان حارس مدرسة، راتبه لا يكفي لإعالة 8 أطفال، كنا نعاني الفقر والحاجة وضيق المسكن”، ولكن المنطق يقول أنه كما عاش الثمانية يعيش التاسع، فهل زيادة واحد هو ما سيؤرق حياة الأسرة؟
ردت على لسان قريبة روت لنا الحكاية “حتى جسديا تقول أنها لا تستطيع تربية طفل جديد، رغم أن المرأة لم تكن تعاني من أي مرض ساعتها”. وتمكنت فعلا من إجهاض حملها، والطريقة أنها قصدت طبيبا عاما أدّعت له اضطراب عادتها الشهرية، الطبيب دون أن يفحصها أو يطلب منها تحاليل حمل، منحها أقراصا لإنزال الحيض، وبعد أيام تعرضت لنزيف حاد وتواصل النزيف لأكثر من أسبوع، ولم تشأ الذهاب إلى المستشفى، منتظرة سقوط الجنين، لكن الذي حدث بعدها أن حالتها الصحية ساءت أكثر بعد ما تعفن الجنين في جسدها فكاد يتحول لكتلة سرطانية، والنتيجة استئصال كامل رحمها وهي في سن 35 من عمرها، ولاحقتها ربما لعنة الطفل الذي أجهضته، فبعدها بسنة واحدة أجرت عملية نزع المرارة، وبعدها الزائدة الدودية، ثم تعرضت لـ”ميكروب” في الدم، وانتهت رحلتها مع المرض بإصابتها بالسكري.
سيدة أخرى في 55 من العمر من العاصمة، والدة لستة أطفال، عندما حملت بالطفل السابع، تقول أصابها اكتئاب شديد، رغم يسر حالتهم المادية، تقول “كرهت الطفل قبل أن يولد وتشاءمت منه”، لكن بعد ولادته تعلقت به أيّما تعلق “..كان ابني المفضل، لا أستطيع الأكل أو النوم إلا بحضوره”، وعندما بلغ الشاب 17 من عمره، أصيب بمرض سرطان الجلد، وبدأت صحته في التدهور أمام عيني والدته يوما بعد آخر، وانتشر المرض الخبيث عبر كامل جسده إلى أن فارق الحياة، تقول الوالدة “يوم علمت أني حامل كنت أقول لم أبتليتني بهذا الحمل يا إلهي؟” لأكتشف “أن المصيبة الحقيقية هي بفقدان الولد وليس في حمله”، ومنذ ذلك الوقت لم تشعر السيدة بطعم الفرح رغم مضي 10 أعوام على الحادثة.
قصتنا الثالثة لسيدة من تيبازة في 57 من عمرها، نفس الحكاية… حملت طفلا اعتبرته “غلطة” وبينما أرادت له الموت بشربها عدة أنواع من الأعشاب الضارة، أراد له المولى عز وجل الحياة، وحجتها لكره ابنها أن زوجها إنسان غير مسؤول تتحكم فيه عائلته، ولا تريد إنجاب طفل ثالث (لها ابن وفتاة)، لكن بعد ولادة الطفل غير المرغوب، تحسنت حالة العائلة النفسية والمادية، فتحصلوا على سكن اجتماعي والتحق زوجها بوظيفة مستقرة، ونجح أبناؤها في الدراسة، وتأكدت الأم أخيرا أن الطفل كان قدومه “فأل خير” على العائلة، فندمت على محاولتها إجهاضه واستغفرت لفعلتها، وأغدقت عليه الحنان تكفيرا عن ظلمها له جنينا، لكن القدر كان يخفي لها أمرا آخر، ففي يوم صيف قصدت العائلة شاطئا صخريا بنواحي تيبازة، وبينما جلس الوالدان وابنتهما الشابة على الشاطئ، فضل (ر) صاحب 22 سنة السباحة رغم تحذير الوالد من خطورة المكان، وفي أول قفزة له نحو الماء ارتطم رأسه بصخرة كبيرة، فتوفي تحت أنظار والدته، ولهول ما رأته عيناها أصيبت باضطراب نفسي، محملة نفسها مسؤولية موت ابنها، لأنها حاولت قتله جنينا… هي قصص تشابهت تفاصيلها، وحتى لو كان موت أطفالها غير المرغوبين من باب الصدفة فقط، لأنه لكل أجل كتاب، كما أن كثيرا من العائلات تعيش بسعادة مع أطفال لم ترغب فيهم، لكن الله سبحانه وتعالى يقول “وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ، إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا” سورة الإسراء الآية 31. والأجدر بالأمهات اتخاذ سبل الوقاية قبل وقوع الحمل وليس بعده.