الرأي

الفلسطينيون من مقاومة الأنفاق إلى هجوم السياسة

صالح عوض
  • 1517
  • 2

انتصر الفلسطينيون في إبداعهم الجديد المعروف بحرب الأنفاق وتمكنوا من إدخال هذا المصطلح إلى الحياة الاقتصادية والعسكرية وأبلوا في ذلك بلاء حسنا فكسروا حدة الحصار بأنفاق تحت الأرض تجلب لهم عناصر الحياة والمؤن.. وكسروا حدة الهجوم البري العنيف المدجج بقوة عسكرية هندسية فائقة التطور فجعلوا من الأنفاق اختراقا كبيرا لقوات العدو وأوقعوا فيها خسائر فادحة.

وانتصر الفلسطينيون عندما اعطوا المقاومة فرصتها رغم تكاليفها الباهظة ووقفوا بكل ثبات ليؤكدوا دفاعهم المستميث عنها على اعتبار انها من سيغير شروط اللعبة.. ورغم التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني في غزة، الا انه لا يمكن إغفال ما قدمته المقاومة من رفع لسقف ميزان الردع الفلسطيني ومن تغيير في المواقف الإقليمية والدولية، ومن انشاء مناخ مناسب تماما لتحرك سياسي ودبلوماسي مهم.

انتصر الفلسطينيون في معركة الصمود ولم يرفعوا الراية البيضاء.. ولكن من الضروري رؤية المشهد كله وعدم التوقف عند اي جزء منه، وينبغي عدم الإغراق في مدح الذات وتكرار شعارات الحماس التي صاحبت لحظة وقف اطلاق النار.

ما قد تم، فهو جزء من المعركة، جزء مهم وضروري، لكنه لن يعدو ان يكون جزءا.. وهو مهم، ولكن بتفاعله وتكامله مع الجزء الآخر المهم الضروري ألا وهو العمل السياسي اثناء المعركة وبعدها، وانه لخلل كبير ان يعتقد البعض أن واحدا من عنصري المعركه يمكنه الوصول إلى نتيجة تليق بطموح الشعب وتضحياته.

الآن يقف الفلسطينيون على بداية هجومهم السياسي الذي يعني انهم أظهروا جملة مفيدة في واقع الحياة انهم يريدوان بلا مواربه دولة، لها حدود وعاصمة وعناصر سيادة كاملة اقتصادية وسياسية.. ولئن كان الفلسطينيون قد انجزوا على هذا الطريق خطوات عملية كالاعتراف الدولي بهم كدولة والتحاقهم بعديد المنظمات الدولية فإنهم الآن اصبحوا بعد اظهار قدرتهم على ردع العنف الصهيوني جادين في الضرب على الطاولة بيد لا ترتجف، بل حازمة انهم لن يقبلوا بأقل من الدولة على حدود1967 وعاصمتها القدس الشريف.

وهذا يستدعي حشدا عربيا واسلاميا ودوليا واسعا، كما انه يحتاج في البداية إلى حشد فلسطيني واسع لكي يحتضن الشعب الفلسطيني هذا الجهد الضخم الذي لا يقل خطورة وأهمية عن حرب الأنفاق.. ولعله من الواضح ان الهجوم السياسي خطير وحساس وسيجد من المعرقلات والمؤامرات الشيء الكثير، وان الكيان الصهيوني يرى فيه عملية إجرامية تستهدف اركان الكيان الصهيوني من القواعد..

والمسألة هنا تستدعي متخصصين في حقل العمل السياسي والاعلامي، متمكنين، ممتلئين وعيا وثقافة ومسئولية، فلن يكون بعد الآن قيمة للموظفين المنتشرين في ساحة العمل السياسي الفلسطيني، بل اننا بحاجة ماسة للسياسيين المشبعين بروح الواقعية المسئولة والنضال الحقيقي والفهم التاريخي الضروري.. ان أدوات الفعل السياسي الفلسطيني تحتاج الآن تميزا نوعيا، كما انها كانت متميزة نوعيا في ميادين القتال .. لئن كان النصر هنا يعني تتويج الانتصار المقاوم، والهزيمة هنا مضيعة لكل شيء، فلطالما خسرنا في السياسة ما كسبناه في الحرب.

وهذا يستدعي وعيا خاصا الآن لدى الفلسطينيين يقوم على قاعدة الحرص الكامل على الوحدة الوطنية الفلسطينية وروح التكامل وايجاد الأعذار عندما لا يفهم طرف ما لدى الطرف الآخر.. فالخطر الحقيقي الذي يقف امام الهجوم الفلسطيني ليس قوة العدو وتحالفاته ولوبياته المنتشرة في العالم.. الخطر الحقيقي الذي يقف امام الهجوم الفلسطيني لا يقف عند حدود تقاعس الإقليم وتورطاته، انما هو يتمثل في ارتباك محتمل للعقل السياسي الفلسطيني واحتمال نشوب تناقضات تملأ مساحة الفعل الفلسطيني فيتشتت الجهد وينشغل المجموع بالهوامش وقصص الاعتقالات والاعتقالات المضادة والتهم والتهم المضادة.. ان الخوف كبير ان نخسر نشوة النصر العظيم بصمودنا عندما نسير نحو الإساءة لبعضنا البعض ونخشى ان يفقد الهجوم السياسي الفلسطيني قوة دفعه ويتلاشى فيتمكن العدو من رقابنا مرة اخرى ويعيث فسادا بكل مكوننا الانساني والحضاري.

اننا ازاء الامتحان الأصعب في التاريخ الفلسطيني.. هل يتحمل الساسة الفلسطينيون عبء التحدي ويواجهونه بمسئولية عليا بعد ان اكتشفوا انهم وحدهم في الميدان وان الأمة العربية الاسلامية تقف معهم بمشاعرها وهمها وقلوبها، لكن كثيرا من حكومات العرب والمسلمين سيوفها على فلسطين.. في ظل تقييم ما هو قائم اليوم في الواقع ينبغي عدم المبالغات والتطرف وسلوك درب التراكم والتنوع والاستفادة من الموجود قدر الإمكان وتحسين الشروط وتطويرها.

ان هناك اشارات سيئة في التعامل البيني بين قيادات الفعل الفلسطيني السياسي، الا ان المراهنة كبيرة على العقلاء ان يخرجوا الشعب الفلسطيني من دوامة الانتحار السياسي او الفوضى السياسية او العبث السياسي.

رغم ذلك، فلا يمكن تخيل عدم ايجاد تصور فلسطيني لمواجهة التحدي المطروح، لأنها فرصة تاريخية مهمة ان يجد الفلسطينيون لطموحهم وحقهم قاعدة ارتكاز كبيرة، ومن ثم ان لديهم مطالب مشروعة سيأتي دورها واحدا واحدا، وكلما حققوا هدفا اصبحوا اكثر قوة وصولا إلى تحقيق الأهداف بقوتها وجلائها.

انتصرنا في معركة الصمود.. فهل ننتصر في معركة جني الثمار جزئيا او على الأقل هل ننجح في الحفاظ على وحدتنا الوطنية.. ذلك ما يدخل على الأمة الفرح ويزيح عنها الترح.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة