الرأي

“الفيسبوك” ليس هو الواقع.. الخارطة ليست هي الميدان!

محمد سليم قلالة
  • 1184
  • 5
أرشيف

يبدو لي أنه علينا اليوم تطوير عبارة “الخارطة ليست هي الميدان”  للعالم “كورزيبسكي” التي شاعت في النصف الأول من القرن الماضي إلى عبارة أن “فيسبوك ليس هو الواقع”!

لقد تم صوغ العبارة الأولى عندما واجه الغرب صعوبات شَتى في مختلف المجالات وخاصة الحروب، على أساس أنه ينبغي للناس أن يُغيِّروا طريقة إدراكهم للحقائق بهدف إيجاد أفضل الأساليب للاتصال بينهم، وفهم بعضهم البعض، وتصحيح مساراتهم المختلفة… وعلينا اليوم أن نصوغ العبارة بشكل جديد لِمَا أحدثته تكنولوجيا الاتصال والمعلومات من تأثير على صورة الواقع لدينا وخاصة “فيبسبوك”…

لقد أصبح الكثير مِنَّا اليوم، لا يكتفي بالحقائق التي يعيشها لتشكيل صورة عن واقعه وواقع بلده، بل يُكمِّلها وأحيانا يُحدِّدها بِصُوَرِ العالم الافتراضي الذي يتفاعل معه، خاصة إذا كانت هذه الصور لا يرقى إليها أدنى شك، أو تبدو له كذلك، صور فيديوهات تعاليق… الخ.

وهكذا بدل أن يُجنِّد طاقاته لتغيير الواقع الموضوعي الذي يعيشه، بما يتوفر لديه من إمكانيات، وضمن حدود الممكن، كما تقتضي السياسة كفن للممكن، يتحول إلى البحث عن تغيير للواقع الذي تَشَكَّلَ في خارطته الذهنية بالممكن وغير الممكن حتى وإن تطلب الأمر السعي لذلك عن طريق المستحيل…

ونتيجة لهذه الحالة العقلية والنفسية، برز لدينا اتجاه لا يرضى بديلا عن إحداث تغيير مطابق للخارطة الذهنية التي لديه وليس للواقع الذي يعيش، وفريق يرضى بتغيير الواقع حتى دون ما توفر من امكانيات. وترسخت في أذهاننا أن الفريق الأول يُمثل الشعب الثائر على الوضع القائم، والفريق الثاني يُمثِّل السلطة الراغبة في بقائه على حاله.

ومنه أصبحنا اليوم في حاجة إلى حل هذه الإشكالية، انطلاقا من فهم عميق للآية القرآنية “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الرعد 11)، أي أن نَجد مخرجا للأزمة التي نعيش من خلال التخلص من ثنائية الخارطة والميدان، قبل أن تتحول إلى مشكلة مستعصية عن الحل، وذلك لن يتم إلا عبر مراجعة الحالة النفسية والعقلية التي باتت تتشكل في حدود كبيرة لدينا من خلال تأثيرات عالم “الفيسبوك” الافتراضي.

وقد سَمح لنا وباء “كورونا” من ملاحظة كيف تمكَّنت أكثر من فئة في مجتمعنا من بلوغ هذا الهدف من خلال التعامل بإيجابية مع هذه الإشكالية، نَذكُر من بينها على سبيل المثال لا الحصر: فئة الأطباء وفئة الفلاحين. الأولى تعاملت مع الواقع وفق حقائق الميدان ولم تَتَحَجَّج بمختلف المشكلات التي تعرفها لكي تنسحب من المعركة، ونجحت في مهمتها إلى حد كبير رغم الصعوبات… أما الثانية، فئة الفلاحين وعمال الأرض، فقد تمكنت هي الأخرى رغم المشكلات الكبيرة والعراقيل التي تعرفها، من توفير الغذاء الكافي للمواطنين، ولم يستسلم أفرادها لنوازع الخارطة الذهنية التي تُساهم في تشكيلها الوسائط المتعددة التي تنحو إلى القول: أن كل شيء منهار…

يبقى على باقي الفئات، أن تبحث عن التوازن المطلوب بين الخارطة والميدان، وعلى رأسها تلك الفئات التي لم تتمكن بعد من فهم أن الانتصار لا يمكن ان يكون سريعا ومُطلقا في المعارك الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما يُصوِّره “الفيسبوك”، أو العالم الافتراضي، إنما ينبغي أن يكون واقعيا وحقيقيا كما يُحّدده الواقع وحقائق الميدان…

مقالات ذات صلة