القاعدة والاستثناء في “سُنَن” التقاعد
ما كان للحكومة أن تفتح ملف مراجعة قانون التقاعد زمن العسر وتسويقه كإجراء تقشفي أملاه تراجع موارد الدولة، فهو مثل ملف الأجور، من الملفات التي تحرك النقابات وتمنحها قدرة كبيرة على التجنيد، وهو ما حصل مع سلسلة الإضرابات التي بدأت في التعليم، وهي مرشحة للتوسع في فضاء القطاع العمومي بكلفة تدفع حصرا من الخزينة العمومية ومن مصالح الناس المعطلة.
فالمشروع التمهيدي المتضمن إلغاء التقاعد المسبق والنسبي بداية من جانفي المقبل قد أعد على عجل، وفي غياب مشاورات مسبقة مع نقابات القطاع العمومي، وحمل كثيرا من الإجراءات الارتجالية التي لم تخضع للدراسة، كما لم تحتط الحكومة فيه لتداعياته العاجلة، بإرجاء بدأ العمل به لسنة أو سنتين، حتى تهدأ النفوس وتنجح الحكومة في توضيح تداعيات استمرار العمل بالقانون القديم على مستقبل موارد صندوق التقاعد المفلس أصلا.
ما هو متعارف عليه أن ملف التقاعد هو من الملفات التي تعالج على نار هادئة، ضمن إصلاحات هيكلية واسعة لترشيد الإنفاق، وهو مطروح في معظم الدول من جهة الحاجة إلى تمديد سن التقاعد بالتناسب مع ازدياد متوسط الأعمار، وخاصة مع قدرة الأجيال العاملة على تحقيق التوازن المالي لصناديق التقاعد، وفي هذا السياق لا شك أن تطور متوسط الأعمار في الجزائر فوق الـ 75 سنة، وتراجع التوظيف المتوقع للسنوات القادمة، والـ”تأنيث” المتعاظم للتوظيف، مع الزيادات المعتبرة في الأجور في السنوات الخمس الماضية كان سيقود حتما صندوق التقاعد إلى الإفلاس.
ومما لا شك فيه أن الاحتجاجات الأخيرة ـ وإن كانت مشروعة ـ لن تحل المشكل حتى لو نجحت الضغوط في حمل الحكومة على التراجع، لأن ملف التقاعد يبقى مطروحا وسيزداد حدة وتعقيدا كلما تفاقمت موارد الدولة، وتراجع منسوب خلق مناصب شغل جديدة، وقد انتقلنا في ظرف سنين قليلة من حالة شبه متوازنة، كانت أجرة أربع موظفين تكفل تغطية تقاعد واحد إلى مستوى أجرة موظفين لتحقيق نفس التغطية، لنصل بعد حين إلى اختلال هيكلي بين مساهمة الأجراء العاملين ومستحقات المتقاعدين الذي يعني إعلان إفلاس صندوق التقاعد ويضرب مبدأ التضامن بين الأجيال.
وفي بلد مثل الجزائر، ما زالت الحكومة فيه تقدم رجلا وتؤخر أخرى بين مبدأ المساواة المطلقة بين الذكور والإناث مع الحرص على تدبير إجراءات استثنائية لصالح المرأة، فإن الاختلال سوف يفجر بأسرع مما توقع الحكومة والنقابات خاصة في قطاع الوظيف العمومي الذي يشهد “تأنيثا” متسارعا في التعليم والصحة والعدالة وبقية الإدارات، حيث أن الإبقاء على مبدأ “التمييز الإيجابي” لصالح المرأة من جهة سن التقاعد ( 55 سنة مقابل 60 سنة للذكور) سوف يلغي العوائد المرتقبة من إلغاء التقاعد المسبق والنسبي في بحر سنوات قليلة، خاصة مع تعاظم “تأنيث” الاكتتاب في الوظيف العمومي الذي أصبح ظاهرة كونية وراء أكمتها ما وراءها.
وأخشى ما أخشاه أن تستغل الحكومة هذه الاحتجاجات وتسجيل أكثر من 80 ألف طلب للتقاعد المسبق، لتتخلص بجرة قلم من قرابة مائة ألف منصب شغل ثابت في الوظيف العمومي، وتعويضهم بنظام الاستخلاف الذي قد يتحول من استثناء تمليه الضرورة إلى قاعدة.