الرأي

“القسمة” و”النصيب”!!..

مروان ناصح
  • 2423
  • 0

في قصة قصيرة رائعة للراحل الكبير نجيب محفوظ، يولد إنسان له رأسان متخالفان بكامل قواهما العقلية، لكنهما يشتركان في جسد واحد وتاريخ ميلاد واحد، وضرورة واحدة إلى التعايش، رغم أن كل ما عدا ذلك، يفرقهما ويجعلهما طرفي نقيض في كل شيء: النظرة إلى الحياة، الآمال والرغبات، وإيقاعات الروح، في مختلف الظروف والأوقات.. ولعل من سخرية القدر، أن تُطلق والدتهما على كل منهما اسماً مستقلاً يشكل، إذا ما اتحد مع اسم صاحبه الآخر، تلك الجملة القدرية الموروثة بامتياز، فقد سمّت الأول “قسمتي” وسمّت الثاني “نصيبي”.. ولك أن تتخيل بعد هذا مواقف الشد والجذب والمعاناة الغريبة، لكل من “قسمتي ونصيبي” في رحلة الحياة المديدة!!..

هكذا ولدت الدراما التلفزيونية في البلاد العربية، برأسين أو بعدين متخالفين، ففي حين يمثل البعد الفني والفكري “قسمتي” يقوم البعد الإعلامي بدور “نصيبي” في إهاب جسد واحد يحاول – منهكاً – تغذية كل من الرأسين دون تقصير!! وما السبب إلا أنها ولدت في أحضان المؤسسات الحكومية لإعلام الدولة وعرضت -وما تزال تعرض – على شاشات التلفزيون الرسمية، في معظم الدول العربية، فلا مهرب لها إذاً من الخضوع لحفنة من الشكوك والتساؤلات التي تنصب على رأس “نصيبها” الإعلامي الذي يمثل وجهة نظر المنتج، والعارض في آن معاً، ولا يكاد ينجو عمل مما ينتجه القطاع العام، والقطاع الخاص لاحقاً، هنا وهناك، من تلك الشكوك والتساؤلات: لماذا هذا العمل دون سواه؟ ولماذا ينتج في هذا التوقيت بالذات؟ ومن هو المستهدف به؟ وما الرسالة الإعلامية التي يحملها؟ ومن الخاسر؟ ومن المستفيد في ساحة التداول لهذا المنتج المؤلف من “قسمتي ونصيبي؟!” ومع اشتداد وطأة هذه الشكوك والتساؤلات التي كثيراً ما تحولت إلى اتهامات مباشرة بالخروج عن “النص” المتفق عليه – ضمنياً – بين الأنظمة العربية، ممثلة في رقابتها من جهة، وصنّاع الدراما الذين باتت وقاحة “النص” تأكل ضمائرهم الإبداعية من جهة ثانية، إذ تجابههم كلَّ يوم بمطالبة ملحة سافرة: “وظفوا كل طاقاتكم في الكلام.. لكن دون أن تقولوا شيئاً!!” و”لا صوت يعلو على القاعدة الذهبية: أن يبقى كل شيء على ما هو عليه!!” هكذا وجد بعض النابهين من صنّاع الدراما أنفسهم مضطرين إلى الهجرة نحو التاريخ، حيث ينجدهم الرمز والإسقاط الفني، والتنفس بشيء من الحرية، في ثياب الماضي الفضفاضة نوعاً ما!! ولم تلبث هذه الهجرة الاضطرارية أن تحولت إلى تيار غالب على حركة الإنتاج الدرامي أو إلى “موضة” بلغة أهل المهنة، وراح الدراميون يهربون إلى مراحل التاريخ كافة!!.. هربوا إلى التاريخ الموغل في القدم.. فأنتجوا زنوبيا ملكة تدمر، وكليوباترا المصرية وسواهما.. وهربوا إلى العصر الجاهلي فأنتجت أعمال عن بعض شعرائه، وبعض سيره الشعبية مثل “عنترة” و”الزير سالم” وسواهما كثير.. وبعد أن كانت الأعمال التاريخية المستقاة من التاريخ الإسلامي، في مختلف عهوده، مقصورة على الشخصيات الدينية والعلمية والعسكرية التي تؤكد عظمة هذا الدين وحضارته، وتلبي حاجة الشاشات العربية إلى إغناء أجواء رمضان المبارك في كل عام.. لاحظ الناس أن الدراما أخذت بالتغلغل في دهاليز ذلك العصر وتلك الحضارة، لتبحث عن جذور الأزمات الكبرى التي يعيشها العرب في هذا الزمان الأغبر!.. وتفتش عن جذور الخراب السياسي.. والتفسخ الاجتماعي.. والتراجع الحضاري، وانغلاق العقل.. ومحدودية الآفاق والآمال.. وباختصار عن جذور المسكوت عنه في كل مجال من حياتنا المأزومة، حتى وصل بعض مثقفي الدراما إلى لمس أسباب خراب التاريخ نفسه، ثم هجائه بلا هوادة مرددين مع الشاعر “علي دمر”:

 .

أرى التاريخ كـــــــذّابا              يخط الزور أبــــوابا

يُعظّم كلَّ طاغيــــــــــةٍ              ولا يـبدي لـــه عابا

فلا تنصت إلى التاريخ              إن أطرى وإن عابا

 .

وهنا.. عادت موجة الريبة في شخصية “قسمتي” الذي هرب إلى التاريخ على أمل النأي بالنفس عن شبهات الكلام!! وارتفع صوت الرقابة محذّراً وساخطاً في آن معاً: لا فرق بين حاضرٍ وماضٍ.. ولا تمايز بين تاريخ قديم أو حديث، فالتاريخ منذ أن وجد وهو ميدان للاختلاف في التفسير، وفي تقويم الأحداث والشخصيات.. ولا مجال لملامسة الأبطال والمواقف ذات الطابع “الإشكالي” الذي من شأنه إيقاظ “الفتن” النائمة، والنفخ على الجمار الكامنة تحت رماد التاريخ!!

ومن واقع الخبرة الشخصية والمعاينة الدقيقة، لمجمل الأعمال التاريخية التي أنتجت، لم ينجُ عمل تاريخي من اعتراضات كثيرة، بدعوى سوء النية والمغالاة ومجانبة الحقيقة!! وهي الدعوى التي يشاركنا فيها عدد لا بأس به من الأنظمة أسيرة “الحرص المرضي” على التاريخ، والخوف منه على الحاضر!!.. وأوضح مثال على ذلك احتجاج رئيس وزراء تركيا – أخيراً – على المسلسل التاريخي التركي الشهير “حريم السلطان!!” ولعل تزايد الشكوك والاعتراضات إلى حدٍ بدا – رقابياً – فوق الاحتمال، هو الذي حدا بالقطاع الخاص، في مرحلة سابقة إلى اختراع ما عرف (بالفانتازيا التاريخية)، حيث لا زمان ولا مكان، ولا شخصيات معروفة، ولا أحداث موثقة!! ومع ذلك فقد أثبتت التجربة للمختصين، ولجمهور المشاهدين في كل مكان عبثية كل جهد يستهدف الفصل بين “قسمتي ونصيبي”!!

مقالات ذات صلة