القلب الأبيض.. هل يسامح الجزائريون بطبعهم؟
يتداول الجزائريون كثيرا عبارة القلب الأبيض، لوصف الشخص الذي يسامح بسرعة ويعفو عن المسيء إليه، البعض يرونه بحسب الوصف الشائع “نية”، أي طيبا حد السذاجة، وينظر إليه آخرون على أنه ذو مصلحة. فهل الصفح والتسامح لأصحاب القلوب البيضاء النقية، أم إن الجزائريين يرجحون مصالحهم الشخصية بعد الخلافات!
القلب الأبيض للتعايش في المجتمع
زادت الحساسيات، وتوترت العلاقات كثيرا داخل المجتمع، في ظل الظروف الاجتماعية الراهنة، وتراجع المستوى المعيشي للكثير من الأسر، ومنه اختفت عديد المظاهر الجميلة والمعاملات الطيبة، فلم يعد الناس قادرين على التغاضي إذا ما تعلق الأمر بحقوقهم الشخصية، بسبب الضغوطات التي يعيشونها على مختلف المستويات، بينما يجد البعض نفسه مجبرا أحيانا على التسامح من أجل التعايش. يقول عبد الكريم، 53 سنة، من البليدة: “الناس كلها تقول عني إنني إنسان مسامح وقلبه أبيض، لكن، في الواقع، أنا أسامح لقضاء حوائجي وحوائج الناس، أعمل في البلدية، وكثيرا ما يخطئ الجيران والأصحاب والأقارب في حقي، ولكنهم إذا قصدوني ابتسمت في وجوههم، وسعيت في قضاء حوائجهم، محتسبا الأجر لله، لكنني لا أكون مسامحا ولا راضي القلب سرا”. بهذا الشأن، تشير الأخصائية النفسية والاجتماعية، مريم بركان، إلى أن الناس في المجتمع الجزائري يخلطون بين التسامح والتعايش، “ليس هناك قلب أبيض وقلب أسود، هناك أشخاص بسطاء همهم في الحياة العيش في سلام بعيدا عن المشكلات، وقضاء حوائجهم بأقصر وأسهل السبل، لذلك يسامحون، ولا أحد يعرف ما يكنونه للغير. وهذا، يدعى تعايشا، بينما يمتلك آخرون مبادئ صارمة لا يتسامحون بسهولة.. مع هذا، لا يمكن اعتبارهم سيئين أو فاسدين”، وبحسب الواقع، يشكل هؤلاء غالبية الجزائريين.
بين بياض القلب وسواده خيط رفيع يوصف بالنفاق
يكنى الشخص الحقود الذي لا يسامح، ولا ينسى بسهولة أي ضرر أو أذى سببه له الغير، بصاحب القلب الأسود.. مزحا أو جدا، تثير هذه العبارة غضب الكثير، وهناك من لا تزعجه لمعرفته واقتناعه بطبيعة تفكيره. تقول حميدة، 41 سنة، موظفة ببريد الجزائر: “أسمع كثيرا كنية (قلبك أكحل) يصفني البعض بها لعدم تجاوزي الأذى المعنوي، أو اللفظي، ولعدم مجاملة الظالمين. مع هذا، لا تؤلمني هذه العبارة ولا تؤثر في نفسيتي كثيرا، لأنني أفضل أن يقول الناس عن قلبي غير المتسامح (أكحل) ولا ينعتني آخرون بالمنافقة، لا أكون راضية عن نفسي إذا سامحت المخطئين بسهولة. يعجبني شعور أن يحس كل واحد بقيمة وأثر أفعاله أو أقواله”. يختلف تفكير حميدة عن زميلتها بسمة، 34 سنة، التي تنزعج كثيرا من مصطلح “القلب الأسود”، تقول: “في عملنا أو في علاقاتنا مع المحيط، إذا كنت تعامل الناس بما يريحهم وتغض الطرف عن تجاوزاتهم في حق نفسك، فأنت طيب وقلبك أبيض، وإذا كنت تراعي مصلحتك الشخصية وراحتك، وتتعامل معهم بمنطقهم، فأنت شرير وقلبك أسود. ما يحز في نفسي، أننا كثيرا ما نسمع هذا الوصف في عملنا، نسامح ونعود إلى خدمة نفس الأشخاص في المرات القادمة. وكذلك هي الحال مع عائلاتنا وأصدقائنا..”.
الجزائري متسامح بطبعه وقلبه أبيض
يتأثر الفرد بسلوك سابقيه، حتى يكون رصيد قيمه الاجتماعية. يقول الأستاذ لزهر زين الدين، خبير في الشؤون الاجتماعية: “لطالما كان الفرد الجزائري على مرور السنين، ذا طبع شديد النرفزة، سريع الانفعال، لكنه كذلك سريع الهدوء والتسامح، ينفعل لأبسط الأمور حتى التي لا تستحق، ويتسامح في أكبر القضايا، ويتجاوزها وإن كانت تحمل ضررا ماديا أو معنويا. وهذا، واحد من أسرار التماسك والتكافل الاجتماعي، الذي مهما أنكرنا وجوده، إلا أنه يجعلنا كجزائريين من الشعوب المتسامحة المحبوبة لدى البقية”.