-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الكتاب الفائز بجائزة قطر العالمية لحوار الحضارات 2018 في الميزان

محمد بوالروايح
  • 2116
  • 0
الكتاب الفائز بجائزة قطر العالمية لحوار الحضارات 2018 في الميزان

جائزة قطر العالمية لحوار الحضارات جائزة سنوية مرموقة وعلى قدر كبير من القيمة الفكرية، وتحكمها معايير منهجية وموضوعية عالية بالكيفية التي تعطي للمنافسة العلمية زخما كبيرا قلما يتوفر في مثيلاتها في مؤسسات البحث العلمي في دول أخرى. ولأن جائزة قطر لحوار الحضارات بهذه الأهمية البالغة، فإنه يفترض ألا يرشح للمنافسة عليها إلا من أوتي قدرات بحثية متميزة، تجعل من بحثه بحثا مرجعيا. ويفترض في الباحث الفائز بهذه الجائزة أن يمتلك من وسائل الإقناع ومناهج التحليل ما يميزه من غيره لأن حجم الجائزة وطبيعة المنافسة العلمية يقتضيان ذلك.

قرأت سيرة الباحث الفائز بهذه الجائزة للسنة المذكورة “زهير سوكاح”، المغربي الأصول، فوقفت على إنتاج علمي محترم وخاصة في مجال الأبحاث التي يجريها باللغة الألمانية بحكم أنه أستاذ بجامعة هايندرشهاينه بألمانيا الاتحادية. وللباحث حضور متميز في “غوغل سكولر Google scholar”، وهي منصة بحثية تشتمل على أرقى الأبحاث في المجالات المعرفية المختلفة. لا يسعني في هذا الجانب من باب “ولا تبخسوا الناس أشياءهم (هود 85)  إلا أن أشيد بقدرات الباحث  “زهير سوكاح”، لكن هناك أخطاء منهجية كثيرة بعضها هيّن يمكن تجاوزه وغض الطرف عنه، وهو من قبيل الهنات التي يقع فيها أي باحث، ولكن بعضها “كبيرة من الكبائر” في البحث العلمي، وسأورد في هذا المقال عينات منها لكي يستبين القارئ الأمر ولكي لا أعطي الفرصة لبعضهم لكي يسارعوا إلى كيل التهم وتفسير الأمر على أنه إبخاس لحق الباحث وتصيد للأخطاء للحط من مكانته وإثارة الشبهات حول بحثه والتشويش على الفوز العلمي الذي حققه، وأي فوز إنه “جائزة قطر العالمية لحوار الحضارات”، التي هي جائزة كبيرة في بلد كبير في رعايته للعلم وتوقيره لأهل الفكر.

وفيما يلي أهم المآخذ المنهجية على الكتاب وهي غيض من فيض، وقد يتيسر الأمر مستقبلا لنشر دراسة نقدية شاملة، تغوص في التفاصيل.

أولا: لغة الكتاب جميلة ومريبة في آن واحد

لقد صرح الباحث “زهير سوكاح” عقب تتويجه بالجائزة بأن هذا البحث هو أول بحث يكتبه باللغة العربية على اعتبار أنه يكتب باللغة الألمانية وكتاباته المنشورة في “غوغل سكولر Google scholar” كلها تؤكد هذا المنزع اللغوي في الكتابة. لقد أعجبت أيما إعجاب باللغة العربية التي صيغ بها البحث والتي لا تتناسب مع كون الباحث مبتدئا –كما قال– في مجال البحث باللغة العربية. وفي هذه الحالة، يجد أي قارئ وناقد للكتاب نفسه أمام فرضيتين اثنتين: الفرضية الأولى هي أن يكون الباحث يمتلك ملكة لغوية عربية ولكنه لا يستخدمها في الغالب الأعم ويدخرها –إن صح التعبير- لمثل هذه الجوائز المناسبات، والفرضية الثانية هي أن يكون الباحث قد كتب بحثه باللغة الألمانية ثم عُهد به إلى مدقق لغوي أو إلى باحث متخصص ومتمرس باللغة العربية على أساس أن الهيئة المنظمة للجائزة تشترط كتابة البحوث باللغة العربية. وفي كلتا الحالتين، يبقى المستوى اللغوي العربي الذي كتب به البحث يثير كثيرا من الإعجاب وكذلك كثيرا من الاستفهامات والتساؤلات، وخاصة أن الباحث لم يشر –وكان ينبغي عليه أن يشير-  إلى اعتماده على متخصص في اللغة العربية من عدمه ولو أنه فعل لأعفانا عن كل سؤال ولأغلق الباب أمام كل التأويلات.

ثانيا: مشكلة تكرر “المصدر نفسه”!

من سمات البحث العلمي الجيد، كثرة مصادره ومراجعه والتي تدلُّ على أن الباحث قد قام بعملية التقصي اللازمة من أجل التأسيس لموضوعه، ولكن تكرار المصدر الواحد في صفحات كثيرة من شأنه أن يطعن في الشخصية العلمية للباحث ويجعله تحت طائلة “المساءلة العلمية”، فكثرة الإحالات والاقتباسات ليست شيئا مستحسنا مطلقا وخاصة حينما تتكرر تحت عنوان “المصدر نفسه”، التي يبالغ فيها بعض الباحثين مما يقلل من القيمة العلمية لبحوثهم. ولم يسلم بحث “زهير سوكاح” من كل هذا أو جله، فعبارة “المصدر نفسه” شملت صفحات كثيرة بل ومتتابعة أحيانا، وبالإضافة إلى هذا فهناك صفحات من غير إحالات تثير كثيرا من الريبة.

ثالثا: التداخل بين أفكار الباحث وأفكار غيره

هذا سمةٌ أخرى مميزة لبحث “زهير سوكاح”، إذ لا نكاد نميز أفكاره من أفكار الآخرين وقد تكرر هذا في مواضع كثيرة من البحث. إن التداخل بين أفكار الباحث وأفكار غيره ليس أمرا مرغوبا في البحث العلمي وقد يكون دليلا على “سرقة علمية مبطنة” في تقدير بعض النقاد. إن هناك طرقا منهجية للتمييز بين أفكار الباحث وأفكار غيره ومنها الإحالات لتمييز ما هو من بنات أفكار الباحث عما هو منقول أو مقتبس.

رابعا: ملخصات تفتقد إلى التحليل المعمق

ويتجلى هذا بوضوح في الفصل الثاني من الكتاب المعنون: “محطات تاريخية معاصرة في حوار الحضارات”، إذ عمد الباحث إلى حشد الكتب والنظريات التي تناولت حوار الحضارات أو أسست له بالأحرى، فلخص كتاب روجي غارودي “من أجل حوار الحضارات”، وكتاب “سقوط جدار برلين”، وكتاب فرنسيس فوكوياما “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، وكتاب صموئيل هنتغتون “صراع الخضارات وإعادة صياغة النظام العالمي”، ومبادرة الأمم المتحدة لحوار الحضارات. كما لخص الباحث ما تضمنته كتابات ومقالات وتقارير حول الحادي عشر من سبتمبر والسنة الدولية للتقارب بين الديانات، وثورات الربيع العربي وموجة اللجوء العربي نحو أوروبا الغربية.

ورغم أن الباحث قد أعقب هذه الملخصات ببعض التعليقات إلا أنها كانت محتشمة ولا تنطوي على العمق التحليلي والتحقيق العلمي الذي نأمله في البحوث العلمية، ونأمله أكثر في بحث مرشح لجائزة كبرى اسمها “جائزة قطر العالمية لحوار الحضارات”، التي تفرض على الباحث أن يتسم بعقل الناقد لا بعقل الناقل.

خامسا: نسج على منوال الحداثيين

لقد ابتكر الحداثيون وخاصة المهتمون بقضايا الفلسفة طريقة في الاستخدام الفلسفي لبعض الأفكار والمفاهيم، وذلك بصياغة المفهوم والمفهوم العكسي،كقولهم “فلسفة الحضارة” و”حضارة الفلسفة” وقولهم “سلطة الحكم” و”حكم السلطة”، ومثلها كثير في كتابات الحداثيين.

أعتقد أن هذا النهج في صياغة المفهوم والمفهوم العكسي هو ضربٌ من العبثية الذي لا يمتُّ إلى البحث العلمي بصلة، وهي طريقة استهوت بعض الحداثيين وجرّت إلى ركابها بعض الباحثين المبتدئين، الذين يظنون أنها –أي هذه الطريقة- علامة فارقة و”ماركة مسجلة” وأنها “قمة الإبداع”، في حين أنها لا تنطوي على أي فائدة تذكر في ميزان البحث العلمي.

أعتقد أن هذا النهج في صياغة المفهوم والمفهوم العكسي هو ضربٌ من العبثية الذي لا يمتُّ إلى البحث العلمي بصلة، وهي طريقة استهوت بعض الحداثيين وجرّت إلى ركابها بعض الباحثين المبتدئين، الذين يظنون أنها –أي هذه الطريقة- علامة فارقة و”ماركة مسجلة” وأنها “قمة الإبداع”، في حين أنها لا تنطوي على أي فائدة تذكر في ميزان البحث العلمي.

يتأكد هذا النهج في كتاب الباحث الذي نال به جائزة قطر العالمية لحوار الحضارات لسنة 2019 والمعنون: “من حوار الحضارات إلى حضارات الحوار”. إنني أتحدى الباحث ومراجعه في هذه الطريقة أن يذكر سببا علميا مقنعا لاستخدام هذه الطريقة في صياغة بعض المفاهيم. وعلى فرض التسليم جدلا بصحة هذه الطريقة، أيهما أقرب إلى تقرير الحقيقة، عبارة “من حوار الحضارات إلى حضارات الحوار” أم “من حضارات الحوار إلى حوار الحضارات”؟

إن المنطق التاريخي أو كرونولوجيا التاريخ يؤكدان أن حضارات الحوار التي اشتهرت في التاريخ الإنساني على غرار حضارة الأندلس “قرطبة وطليطلة” هي التي أسست وأعطت بعدا إنسانيا لما سمي فيما بعد “حوار الحضارات”. وبناء على ذلك، فإن الصياغة الصحيحة التي تتماهى مع المنطق التاريخي وتتماشى مع كرونولوجيا التاريخ هي “من حضارات الحوار إلى حوار الحضارات” وليس العكس.

سادسا: إقصاء مالك بن نبي!

تطرق “زهير سوكاح” لكثير من النظريات الحضارية الحديثة أو لبعض الأفكار الفلسفية التي أسِّست عليها فكرة الحوار بين الحضارات، إذ عرّج على نظرية غارودي وخاتمي ومزالي وطه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري، وهي كلها نظريات على قدر كبير من الأهمية والواقعية، وذكرها يحسب للباحث، ولكن عدم ذكر بعض رواد الفكر الحضاري من أمثال مالك بن نبي يعد تحيزا مخالفا لروح البحث العلمي.

سابعا: نثار فكري مكرر وغير منسجم

لقد حشد الباحث في الخلاصة ما سماه “الخلاصات السبع للنتائج المتوصل إليها”، ولكن ما يلاحظ على هذه الخلاصات أنها نثارٌ فكري غير منسجم  ومركّب بطريقة ما، هذا علاوة على أن بعضها خلاصات بديهية ليس فيها شية من البصمة العلمية المطلوبة في “أبحاث القمة” من شاكلة البحوث المتعلقة بجائزة قطر العالمية لحوار الحضارات، ومن أمثلة ذلك ما تضمنته الخلاصة الأولى من أن حوار الحضارات كما قال “زهير سوكاح” “ليس وليد اللحظة” وهذه فكرة بديهية لم يقل أحد بخلافها لأن فكرة الحضارات منتج تاريخي عرفته كل الحضارات بمستويات وطرق متباينة، وهو ما ذكره الباحث في ثنايا البحث ولكن عاد في النهاية ليوهمنا بأنه خلاصة معتبرة مع أنها من المعلوم من الفكر الحضاري بالضرورة. وعاد “زهير سوكاح ” ليكرر ما قاله في الخلاصة الأولى في الخلاصة الثانية المعنونة :”حوار الحضارات مسار تاريخي متواصل”. ولم أوفق في فهم مراد الباحث من الخلاصة الثالثة المعنونة: “الحوار بين الحضارات ليس ترفا نخبويا”، ما سبب استخدام مصطلح الترف والعزوف عن استخدام مصطلحات أخرى، هل أراد أن يُفهمنا أن الحوار بين الحضارات ليس أولوية لدى النخبة الفكرية بل هو ترف فكري لا غير؟ أم أراد أن يفهمنا أن الحوار بين الحضارات عمل إنساني يتجاوز النخبة والسلطة إلى عموم الشعب وكل مكونات المجتمع؟ في الحقيقة عبارة الباحث غير المتوازنة وغير المضبوطة حالت دون فهمنا لمراده، ولكن عسى أن يتوصل الباحث بهذا المقال فيجيبنا عن هذه الأسئلة.

ويقع “زهير سوكاح ” مرة أخرى في التكرار، فيكرر الخلاصة الرابعة المعنونة: “حوار الحضارات ليس مجرد تضخم في النظريات” في الخلاصة التي تليها والمعنونة: “حوار الحضارات ليس مجرد مؤسسات ونظريات بل هو ممارسة مدنية”.

تطرق “زهير سوكاح” لكثير من النظريات الحضارية الحديثة أو لبعض الأفكار الفلسفية التي أسِّست عليها فكرة الحوار بين الحضارات، إذ عرّج على نظرية غارودي وخاتمي ومزالي وطه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري، وهي كلها نظريات على قدر كبير من الأهمية والواقعية، وذكرها يحسب للباحث، ولكن عدم ذكر بعض رواد الفكر الحضاري من أمثال مالك بن نبي يعد تحيزا مخالفا لروح البحث العلمي.

ويقع “زهير سوكاح ” في التكرار مرة أخرى فيكرر الخلاصة السادسة المعنونة: “حوار الحضارات يبدأ من الذات قبل أن يصل الآخر” في الخلاصة التي تليها والمعنونة: “حوار الحضارات هو فرصة الذات العربية الإسلامية من أجل ارتقائها الحضاري”. كان يمكن للباحث أن يدمج الخلاصتين في خلاصة واحدة ولا يضير في ذلك أن تتناول الخلاصتان عينتين مختلفتين ما دام أن موضوعهما واحد وهو الحوار مع الذات قبل الحوار مع الآخر. ولم يفلح “زهير سوكاح” في علاج إشكالية العلاقة بين حوار الحضارات وحضارات الحوار مع أن هذه العبارة هي جوهر الموضوع. إن اللجوء إلى تكرار بعض الخلاصات ذات الموضوع الواحد وفصل بعضها عن بعض، يعدُّ تحايلا من الباحث وحرصا منه على تضخيم الخلاصات، فالخلاصات السبع التي تحدَّث عنها ليست في الحقيقة إلا ثلاث خلاصات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!