الكرة ليست كل شيء في حياتنا!!
بعودة مباريات الدوري الجزائري إلى النشاط وعودة الحديث عن الكرة وتصفيات كأس العالم المؤهلة إلى مونديال البرازيل، يعتقد البعض بأن اهتمام الشباب سينصب حولها ويتوجه نحوها لينسى همومه ومشاكله والتحديات التي تنتظره، وينشغل عما يحدث عندنا من فراغ سياسي وجمود فكري وتراجع أخلاقي واجتماعي ونهب اقتصادي لخيرات الوطن وثرواته في سيناريو يتكرر كل مرة وتتكرر معه طموحات أبنائنا في غد أفضل، ويتجدد صبرهم على الضرر الذي يلحق بهم، ووعيهم بأن الجزائر أهم من الكرة ومن كل النوادي والمنتخبات والمنافسات الرياضية، وأهم من كل من يعتقد بأن له أفضالا على هذا الشعب..
صحيح أن الشباب الجزائري يهوى الكرة ويعشق نواديه ومنتخبه بسبب سحر اللعبة والفراغ الذي يعاني منه في مجالات أخرى، وتراجع قطاعات كثيرة عن دورها في استقطاب الشبان نحو نشاطات واهتمامات أخرى، ولكن هذا الشباب يعشق وطنه ويفكر في مستقبله أكثر ولم يعد بحاجة إلى مباريات الدوري الجزائري لأنه اليوم يتابع الكرة الأوروبية والعالمية ويتعلق بنواديها ويستمتع بفنياتها الكروية في وقت لا تزال النوادي عندنا تتخبط في مشاكل لا حصر لها بسبب نقص الموارد والمرافق وضعف التأطير الفني والإداري وغياب المتعة وتفشي العنف حتى إن بطولة هذا الموسم لم تلق قبل انطلاقتها كل ذلك الاهتمام الذي كانت تلقاه في السنوات الماضية، ولولا تألق المنتخب وتأهله إلى المباراة الفاصلة من تصفيات كأس العالم لانصرف الناس عن متابعة أخبار الكرة عندنا..
كما أن الشباب الجزائري ليس كله من هواة الكرة حتى نعتقد بأن انطلاقة مباريات الدوري الجزائري ستلهيه عن مشاغله ومشاكله ومستقبله، بل هو شباب يتميز بالكثير من الوعي والتنوع في اهتماماته وهواياته، وهو بحاجة إلى حياة ثقافية وفنية واجتماعية أكثر ثراء وتنوعا ونشاطا، وهو بحاجة إلى مشاريع تنموية تفتح له آفاقا تتناسب مع آماله وتطلعاته وأحقيته في العيش الكريم في نطاق وطن لا يظلم ولا يقصى فيه أحد، وطن لا تنهب فيه خيراته وتستبعد فيه الأجيال الصاعدة من تقرير مصيرها وبنائه على أسس أخلاقية وفكرية وعلمية حديثة. الشباب الجزائري لم يعد يكفيه المأكل والملبس ومشاهدة ناديه يلعب الكرة ومنتخب بلاده يـتأهل إلى المونديال، بل هو بحاجة إلى هواء نقي يتنفسه وحرية وشفافية وديموقراطية، وحياة ثقافية وفنية ثرية، وبحاجة إلى أن يرى بلده يتخلص من كل الشوائب والآفات، ومن التراجع الذي يعاني منه في شتى المجالات حتى أصابنا الخمول واليأس والإحباط والشك في قدراتنا على بناء مجتمع متوازن ومنسجم يسع الجميع دون استثناء..
هذا الوضع يفرض علينا إعادة النظر في كل النظريات السائدة إلى غاية اليوم والتي أدت إلى الاعتقاد بأن الكرة أفيون الشعوب وأفيون الشباب الجزائري من الجيل الصاعد الذي لا يفقه في السياسة والثقافة والعلوم وفنون الحياة، ويمكن استغفاله واستغلاله لتمرير كل السياسات والقرارات والمشاريع.
هذا الواقع يفرض علينا التصالح مع أنفسنا وأبنائنا والإقرار بأخطائنا في التقدير والتدبير وتغيير ما يجب تغييره لأن الزمن تجاوزنا ونعيش القطيعة مع الواقع ومع أبنائنا وبناتنا الذين يعيشون ظروفا صعبة في وطن يزخر بكل الخيرات البشرية والمادية والطبيعية..