الرأي

الكرة ليست لعبة يا ناس

حفيظ دراجي
  • 11724
  • 81

بالمفهوم التقليدي والعادي المتعارف عليه عندنا، تعتبر كرة القدم لعبة تتقاذفها الأرجل في الملاعب وتتجاوب معها الجماهير في المدرجات، والاعلاميون في مختلف وسائل الاعلام دون أدنى اعتبار للبعد الاجتماعي والسيكولوجي، ولعواقب وتبعات الفرحة المفرطة والحسرة الكبيرة.. ولكن بالمفهوم العصري والحديث والفعلي صارت الكرة في العالم، ظاهرة إنسانية فريدة من نوعها تأخذ أبعادا سياسية واجتماعية ونفسية واقتصادية، وحتى ثقافية تنعكس على الحياة اليومية للشعوب والحكومات وعلى المعنويات والأعصاب والقلوب والعقول، وقد لا نقدّرها حق قدرها ولا نهتم بها حتى “تقع الفأس على الرأس”، وبعدها نحمّل المسؤولية للجماهير ونلصق بها تُهمَ افتقادها للوعي والعقل وممارستها لكل أنواع التطرف والعنف..

السطحية والذاتية والعاطفة التي تعاملنا بها مع خروج المنتخب الوطني من نهائيات كأس أمم إفريقيا، في الأوساط الفنية والاعلامية والشعبية، قد تنعكس سلبا على عناصرنا الوطنية في تصفيات كأس العالم المقبلة، وتزيد من الضغط السلبي عليهم، وتنعكس سلبا على معنويات الجماهير وتصرفاتها وتزرع فيها انكسارا مخيفا أو افتخارا واعتزازا مبالغا فيه بسبب نتيجة في مباراة كروية، كما أن الاختلاف في وجهات النظر عند تقييم المشاركة أدى إلى مزيد من الاقصاء والحقد والكراهية وتصفية الحسابات بين كل الفاعلين، عوض أن يكون ذلك الاختلاف نعمة وظاهرة صحية تعبّر عن الثراء الفكري الكروي في الأوساط الرياضية، وحرية كل واحد منا في إبداء رأيه وتبادل الأفكار مع غيره، كما أن اليأس والتشاؤم بلغ درجة قصوى من الخطر مثلما بلغ الغرور ذات مرة درجة لا تطاق، ولا تتناسب مع الحقائق والوقائع مما ينذر بعواقب نفسية واجتماعية وحتى أمنية قد لا نقدر على التحكم فيها.  

لقد كان من المفيد أن يتوجّه النقاش في الأوساط الفنية والاعلامية، نحو مناقشة حال الكرة الجزائرية كمشروع رياضي وسياسة وطنية، ومناقشة الخطط التكتيكية وطرق اللعب التي نعتمدها وتحليل المشاركة الجزائرية بكل موضوعية، من خلال تسليط الضوء على الايجابيات والسلبيات وتثمين الجهد وتقديم الحلول والاقتراحات دون تشخيص ودون حقد. وكان من المفروض أن يدور النقاش حول الكيفية التي أصبح المنتخب يلعب بها! هل هي مناسبة ومفيدة ومجدية للاعبينا؟ وما العمل لإيجاد الفعالية الهجومية الضرورية والانسجام الدفاعي اللازمين لتسجيل الأهداف وتجنب الأخطاء؟ وما العمل للاستقرار حول هوية لعب فعّالة خاصة بنا ترتكز على مقوماتنا وقدراتنا عوض العودة إلى نقاش بيزنطي تجاوزه الزمن حول أحقية المدرب واللاعب المحلي أو الأجنبي في اللعب  للمنتخب والاشراف عليه، أو ضرورة إقالة المدرب أو الابقاء عليه بعد التعثر لأن حاليلوزيتش، مثل غيره مصيره الذهاب يوما ويبقى المنتخب وتبقى الجزائر. لقد كان من الممكن تثمين التجاوب الجماهيري والتنقل الجماعي للأنصار إلى جنوب إفريقيا لمؤازرة الخضر، وتشجيعهم وطمأنتهم والتخفيف عنهم عوض تأليبهم على لاعبيهم ومنتخبهم، وعوض تغليط الرأي العام بتفاهات ومتاهات هامشية لأن مجتمعنا الهش الذي يفتقد أصلا إلى التوازن والاستقرار، والمعرض لأدنى الهزّات قد تتسبب فيها كرة القدم في تعميق الجراح وإذكاء الأحقاد وتفشي اليأس وفقدان الأمل بسبب نتائج المنتخب الذي ليس لنا سواه، ولا نملك سوى الصبر عليه والوقوف معه في المواعيد المقبلة مهما كان الأداء والنتائج.  

الكرة الحديثة لم تعد لعبة نتلاعب فيها بمشاعر الناس، ونحقد ونكذب ونصفّي الحسابات كما هو موجود لدينا، بل وسيلة للتوعية والتربية والتثقيف نرتقي فيها بالنقاش والممارسة إلى مستوى فكري وثقافي يربّي الأجيال على التعامل الحضاري والأخلاقي مع الفوز ومع الخسارة، والفرحة والحزن، ومع مختلف الآراء والتحاليل الموضوعية بكل مودة وروح رياضية، بعيدا عن الاستغلال العاطفي وإثارة الفتنة بين الأسرة الكروية التي ينفخ بعض أفرادها في الجمر لتشتعل النار ويصعب اطفاؤها.

مقالات ذات صلة