اللحم حرام.. المرق حلال!
في الوقت الذي تنادي فيه وتغالي الأغلبية الفائزة بأقلية الأصوات والمقاعد، والخاسرة في الانتخابات التشريعية، أمر الزعيم التاريخي لجبهة القوى الاشتراكية، حسين آيت أحمد، بمعاقبة مناضلي ومسؤولي الأفافاس المتورطين في ارتكاب “تصرفات مشينة” خلال الحملة الانتخابية.
..هذا هو “الدا الحسين”، قرارات جريئة، ومواقف واضحة لا تصدر إلاّ من الشخصيات التي تعرف جيّدا السياسة، التي تحوّلت عند بعض الدخلاء إلى لعبة “حكّ تربح” أو “تيارسي”، وها هو آيت أحمد يعتبر فوز الأفافاس بـ 20 مقعدا، انتصارا، فهل يستفيد هؤلاء من هذا الدرس الذي قدمه لهم بالمجان أحد رفقاء الكبار من عيار محمد بوضياف وأحمد بن بلة ومحمد خيضر؟
لقد قالها حسين آيت أحمد بالفمّ المليان: “لا توجد انتخابات سهلة حتى في الدول ذات الديمقراطية العريقة”، وهذا التشخيص، قد يدوّخ تلك الأحزاب التي تتكتل وتهوّل، وقررت عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، ومقاطعة جلسات البرلمان القادم، دون مقاطعة الحصانة والراتب الشهري للنواب!
هذا هو الفرق بين معارضة يصنعها حزب كالأفافاس، و”معارضة” تصنعها أحزاب “تاكل الغلة وتسبّ الملّة”، وتؤمن بنظرية: “اللحم حرام والمرق حلال”، وقد قالها حسين آيت أحمد، في رسالته إلى كوادره وقيادات حزبه: “في الوقت الذي وجدت فيه دعوتنا من أجل إعادة تأهيل السياسة والأخلاق السياسية صدى في المجتمع، سيكون من غير المقبول أن لا يُعطي الحزب نفسه المثل والقدوة الحسنة في هذا المجال”.
قد تكون الممارسة السياسية في هذه المرحلة بالذات، بحاجة إلى سياسيين من وزن حسين آيت أحمد، يعرفون جيّدا من أين تؤكل الكتف، ومتى ينسحبون ومتى يشاركون، ويعرفون كيف تمارس المعارضة، ويكفرون بمنطق الابتزاز والضغط والمناورة والمغامرة وليّ الذراع لتحقيق مصالح حزبية أو شخصية!
لا يُمكن لدعاة مقاطعة الجلسات البرلمانية وصرف أجر الثلاثين مليونا والاحتماء بالحصانة، أن يقولوا للأفافاس “ما تعرفش صلاحك”، فهو حزب ناضل ومارس المعارضة في السرّ والعلن، في وقت كان بعض من هؤلاء المعارضين الجُدد “يرضعو صباعهم“!
لقد رسم العديد من المراقبين علامات استفهام وتعجب، أمام الصمت المحيّر للأفافاس وحزب العمال، بعد إعلان نتائج التشريعيات، واستغربوا رفضهما الالتحاق بتكتل 16 حزبا ضد “التزوير”، لكن التصريحات التي جاءت على لسان لويزة حنون، ثم ما ورد في رسالة حسين آيت أحمد، يؤكد أن السياسة مثلما هي فن الممكن، هي أيضا ليست “لعب عيّال”!
من حقّ كلّ حزب أن يبحث عن مصلحته داخل البرلمان والحكومة، من حقّ كلّ حزب أن يسوّد الأبيض عندما يكون خاسرا، ويبيّض الأسود حين يكون رابحا، لكن هل يُعقل أن تنطلق العهدة البرلمانية بالتمثيل على الـ 43 بالمائة التي انتخبت، بدل تمثيلها والدفاع عنها وعدم تحريضها على الالتحاق بالـ57 بالمائة المتغيبة عن التشريعيات؟
مثل ما هدّدت لجنة مراقبة الانتخابات، بحلّ نفسها، ولم تفعل، فإن الأحزاب التي تتوعّد بمقاطعة الجلسات، ستتناسى خسائر الزلزال، عندما تصل المحليات، فيكون المواطن على موعد مع المهرجانات الفلكلورية والوعود والعهود و”الفستي” وشراء الذمم وبيع رؤوس القوائم وفتح البورصة لمن يريد أن يشتري أسهم الأميار!