-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

منْ يُوقف جبروت النظام العالمي الصهيوني؟

منْ يُوقف جبروت النظام العالمي الصهيوني؟

مِنْ اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع يناير الفائت إلى العدوان على إيران وتصفية مرشد ثورتها، علي خامنئي، وقيادات أخرى، مرورًا باغتيال رئيس حماس الشهيد إسماعيل هنية في طهران، وكل الجرائم الوحشية غير المسبوقة في قطاع غزة ولبنان واليمن منذ طوفان الأقصى وقبله، تؤكد مجددا أنّ الكيان الصهيوني وراعيه الأمريكي يتصرفان خارج كل القوانين الأممية والمواثيق الدولية التي وضعها النظام العالمي نفسه الموروث عن الحرب العالمية الثانية.
ما يحدث في إيران اليوم، بعيدًا عن أي موقف مسبق من سياساتها في المنطقة، هو نفسه ما جرى سابقا في العراق، بتواطؤ من طهران نفسها، وهو ما تدفع فنزويلا أيضا ثمنه حاليًّا، مهما اختلفت التفاصيل الشكلية أو التبريرات الأمريكية.
إنّ كل متابع لعلاقة أمريكا بالشرق الإسلامي (المسمى تضليلاً الشرق الأوسط) منذ خمسينيّات القرن العشرين، عندما برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى ضمن نتائج الحرب العالمية الثانية وغرس السرطان الصهيوني في قلب العالم الإسلامي، يدرك أنّ سياستها الخارجية تتمحور حول ثلاثة محددات رئيسيّة: على رأسها حماية المشروع الصهيوني ومحاصرة المدّ السوفياتي أنذاك، ثم تأمين مصادر النفط وسلاسل الإمداد في المنطقة.
وفي ضوء تلك المعادلة ظلت الولايات المتحدة تحاصر أي نظام إقليمي ترى فيه القدرة على امتلاك القوة المهددة وجوديّا لـ”إسرائيل”، حيث لا تسمح لأي دولة في المنطقة بأن تحوز عوامل التفوق العسكري على الاحتلال الصهيوني لاعتبارات استراتيجية تتعلق بمصالحها العليا، ولأجل ذلك كان القرار الأمريكي منذ تسعينيات القرن الماضي بتدمير البنية العراقيّة المتقدمة، وليس فقط إسقاط نظام صدام حسين رحمه الله، واليوم يتكرّر نفس السيناريو مع النظام الإيراني.
ربّما تعتقد تيارات ودول بالإقليم أنّ حرب أمريكا و”إسرائيل” على نظام طهران فرصة تاريخيّة للتخلص من “عدوّ طائفي”، ظلّ خطرًا على أمنها القومي بالتدخل في شؤونها والسعي لتصدير “الثورة الشيعيّة” منذ 1979، لكن ما لا يدركه هؤلاء أنّ النظام العالمي الصهيوني ليس مناولاً لديها، ولا يبني قراراته وفق مصالحها هي أو ما ترغب فيه، حتى لو تقاطعت مؤقتا وظاهرًا، بل هو مجند في خدمة مشروعه الاستراتيجي الأعلى، والذي سيكون على حساب الأمة العربيّة والشرق الإسلامي.
إذا كان هؤلاء المصطفّون مع الكيان والمتفرجون اليوم يظنون أنّ المنطقة مقبلة على السلام والاستقرار، بتحقق سيناريو سقوط النظام الإيراني واندماج العرب كليًّا في مسار التطبيع مع الاحتلال الغاصب، فإنهم واهمون إلى أبعد الحدود، لأنّ الدور سيأتي عليهم جميعًا، حيث أن أطماع المشروع الصهيوني التوراتيّة لم تعد من الأسرار الخفيّة، وآخرها ما ورد على لسان السفير الأمريكي في “تل أبيب”، مايك هاكابي، وهو يذكّرهم بأن أرض إسرائيل الكبرى تمتد من النيل إلى الفرات.
الأمر لا يتوقف فقط عند الجغرافيا التي يحلم بها الاحتلال الإسرائيلي، بل يتعداه إلى طبيعة العلاقة الوظيفية التي يصرّ الأمريكيّون على تكريسها أبديًّا بالمنطقة العربية، والخليجية منها على وجه التحديد، حيث تتحول كل خيراتها ومواردها في خدمة التفوق الأمريكي، بشكل يجعلها خاضعة على الدوام للاستغلال والابتزاز الاقتصادي والمالي على حساب مصالحها الوطنية والقوميّة.
كما أن تعريض الخليج العربي لمخاطر حالة الفوضى باستباحة قوة إقليميّة ودولة مركزية في حجم إيران سيفتح باب الجحيم على المنطقة كلها، ربما لعقود قادمة، ولا يمكن لأحد التنبؤ بنهاياته المأساوية.
إنّ رسالة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليست موجهة حصريًّا للأنظمة العربية والإسلامية في المنطقة، بل تعني بالأساس تلك القوى الكبرى التي تتطلع اليوم للسيادة العالميّة أو على الأقل إعادة تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب، وفي مقدمتها الصين وروسيا، إذ أنّ بقاءهما على هامش هذه الأحداث المصيرية سيجعلهما مطوقتين تدريجيًّا مستقبلاً، وكلما فُسح المجال الجيوبوليتيكي للأمريكيين والإسرائيليين ليتصرفوا فيه بعنجهيّة مطلقة، فإنّ ذلك يعني إضعاف كل محور أو حلف أو دولة خارج حلفائها التقليديين، أو بمعنى آخر تقليم أظافر شركاء أساسيين لقوى دوليّة منافسة ومحاصرتها في فضائها الجيواستراتيجي، مقابل إعادة صياغة أنظمة مناولة جديدة لتقوية الهيمنة الأمريكية الصهيونيّة، وهو ما يشهره في الوقت الحالي الرئيس ترامب علنًا.
إنّ النقاش تجاه الأحداث الملتهبة في الشرق الإسلامي لم يعد تحليلاً في مفاهيم ونظريات القانون الدولي ومهام الأجهزة الأمميّة التي لا يؤمن بها إلا الضعفاء، بينما يدار العالم بشكل مكشوف عن طريق القوة الغريزية، بل وجب مساءلة الدول الإقليميّة في جوار إيران، وتلك القوى الحالمة بمقارعة الولايات المتحدة الأمريكية على قيادة العالم الجديد، هل تنتظرون حتى يحتلّ الإسرائيليون أراضيكم الواحدة تلو الأخرى؟ ويصل الأمريكيّون إلى حدود بكين وموسكو فيطوقّونها من كل جانب؟
إذا لم يقف صفّا واحدًا هؤلاء المعنيّون مباشرة بآثار التغول الأمريكي الإسرائيلي، ليس فقط لمؤازرة إيران في وقف العدوان، بل لكبح جماح الغطرسة الإمبرياليّة الزاحفة، فإنهم سيدفعون عاجلا وآجلا ثمن الاستسلام المسبق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!