الرأي

اللعاب والرشام

الشروق أونلاين
  • 2061
  • 2

تفاعلي مع رمضان ومع أحداث مصر في رمضان، جعلني أغير من طبيعة ثقافتي المطبخية والدينية والسياسية معا. فغالبا ما كنت أتابع نهارا، عندما أتمكن من الاستيقاظ باكرا من النوم، أي قبل المغرب بساعة أو ساعتين، أتابع حصص الطبخ على الشاشة (لست أدري لماذا تكثر حصص الطبخ المتلفزة في رمضان؟ ولماذا أيضا، تكثر حصص التنكيت والفكاهة والأفلام غير الدينية مع قليل منها من يعتبر دينيا! فقط في رمضان؟). غير أن أحداث مصر في رمضان، وفرت علي عناء الأحادية، فصرت أنوع بين حصص الطبخ ومتابعة ما يحدث في ميدان التحرير وفي ميدان رابعة العدوية (طبعا، الفضائيات المصرية الخاصة والعمومية، لا ترى إلا ما يحدث في ميدان التحرير، لأن ميدان رابعة العدوية موجود عندها في إسرائيل! وهي تقاطع إسرائيل ولا تقيم علاقة كمبد ديفيد معها!). لهذا، كنت أتابع الجزيرة والجزيرة مباشر، حتى “العربية” لم تعد عربية، بل صارت قناة مصرية خاصة.

تأثري وتفاعلي بين حصص المطبخ الكثيرة والمتنوعة من جهة وتفاعلي مع أحداث الساحات في مصر، جعلني أقسِّم مائدة الإفطار، بسبب كثرة عدد “أفراد” (وبقرات) الأسرة إلى طاولتين، خاصة بعد أن جاءت ابنتي الكبيرة بها “ببزاوزها”، لتصوم ـ أي تأكل ـ معنا ـ الأيام العشرين المتبقية (قلت لها: كان عليك أن تفكري في المجيء في العشر الأواخر، لا في العشرين الأوائل). ابنتي “ربيعة”، بها بأبنائها وبناتها، السبعة، خصصت لهم مائدة خاصة ليست بعيدة عن مائدتي أنا مع زوجتي وأبنائي الستة (8 على مائدة واحدة، مقابل 08 على مائدة ربيعة وأبنائها. زوجها لم يحضر لأنه ذهب ليصوم ـ أي يأكل ـ عند أمه).

تعمدت إرغام زوجتي على مضاعفة حجم الحريرة على مائدتي وتقليلها على مائدة الضيفة وأبنائها، بدعوى أننا الأصل وهم الفرع، وأننا كلنا كبار وأن ربيعة كل أبنائها بزاوز..الكبير فيهم لا يتجاوز العشرين وأصغرهم 15، أما أنا فالكبير منهم يتجاوز 30 والصغير يتجاوز 18. ثم أننا وأمهم، أكبر بعد الله، فأنا لا أتذكر حتى متى وُلدت، أما زوجتي فقيل أنها ولدت قبيل معركة ديان بيان فو..على كل..je m_en fou . الخطة، كانت تقتضي مني أن أستولي على مائدتيْ الإفطار معا، والتي لم تكن تضم غير الحريرة والخبز هذا اليوم، لهذا سميت مائدتي، “ميدان التحرير” أما مائدة ابنتي، فسميتها ميدان رابعة. قمت بالاستيلاء لوحدي على ميدان التحرير، بعد أن بصقت في الحريرة لكي لا يأكل منها أحد، إثر افتعالي لخصومة بين الأبناء حول أحجام أواني الحريرة: الكل كان يريد أن تكون “غرفيته” أكبر ويدعي أنه الأكبر والأجوع والأحق، لأنه فعل كذا، والآخر لم يفعل. بصقت في قدر حريرة ميدان التحرير، فتوقف الجميع عن الأكل، فيما كنت أنا هو اللعاب والرشام، ثم قفزت إلى ميدان رابعة، ورحت أضع لهم الفلفل الحار في الحريرة وأقول لهم كولوا.. مليحة حارة.. شابة.. والأطفال يتباكون بعد “النار التي ألهبت حلوقهم”، ما جعلني أكتسح الميدانيين، قبل أن يقلب الأطفال مائدة ميدان ربيعة وتتدفق الحريرة على أرضية المطبخ. فلا أحد أكل  غيري.

مقالات ذات صلة