“اللهيف” يُنافس “الخطيف”
شهد اليوم الأول من رمضان، مظاهر غريبة عن الدين الإسلامي وعادات وتقاليد الجزائريين عبر مختلف الولايات، حيث لوحظت طوابير طويلة وحشود غفيرة على أبسط الأشياء، فالجميع يبيع أي شيء وكل شيء والجميع يشتري بلهفة كل شيئ، في ظل الغياب التام للدولة وأجهزة الأمن والرقابة، ما فتح المجال واسعا لاستفحال المظاهر السلبية من ارتفاع فاحش للأسعار وغش وتدليس ولهف المواطن وجشع التجار.
هذه الحقائق المرة وقفت عليها “الشروق” في جولة ميدانية عبر عدد من الأسواق في ولايتي العاصمة والبويرة، حيث طبعت الزحمة أول أيام الشهر الفضيل، وتحولت الساحات العمومية وساحات البيع إلى مستودعات بشرية.. والمواد الاستهلاكية برغم أسعارها الخيالية فهي نادرة ليس من عدم كفاية الكميات المعروضة وإنما بسبب لهفة الناس عليها، ونفس الحال بالنسبة للحوم والخضر والفواكه، وحتى “الشاربات” والتمور فالطوابير عليها كادت أن تتحول في أكثر من مرة إلى حلبة مصارعة بين المواطنين.
الخبازون : تهافت على الخبز منذ الصباح الباكر
استغرب يوسف قرفاط، رئيس الاتحاد الوطني للخبّازين، تهافت المواطنين على المخابز وشكلوا طوابير في الساعات الأولى من اليوم، وقال في اتصال مع “الشروق” “أنه من اللافت للانتباه أن يجتمع المواطنون أمام المخابز على الساعة التاسعة صباحا، في حين أن آذان المغرب والإفطار على الساعة الثامنة مساء”.
ونفى قرفاط تسجيل أية ندرة في مادة الخبز خلال اليوم الأول من رمضان، مرجعا عدم تمكن بعض المواطنين من اقتناء الخبز في الفترة المسائية، إلى الاقتناء المفرط للمواطنين لكميات كبيرة من الخبز في الصبيحة، ما جعل الكثير من المخابز تبيع جميع منتوجها من الخبز خلال الصبيحة وأغلقت أبوابها بعد صلاة الجمعة، مؤكدا أن تسجيل ندرة الخبز في رمضان غير وارد، وأن الأمر مستبعد جدا لأن هذه المادة متوفرة بكثرة في المخابز يضيف قرفاط.
اتحاد التجار: المواطنون أتوا على الأخضر واليابس
يرى رئيس الاتحاد الوطني للتجار والحرفيين الجزائريين، صالح صويلح، أنه بالرغم من ارتفاع أسعار جميع المواد الاستهلاكية التي أرجعها إلى الوسطاء بين التجار والفلاحين، وقال “إن المستهلك الجزائري قضى أمس على الأخضر واليابس” ، وأضاف في اتصال مع “الشروق” إن “تهافت المواطنين فتح الباب واسعا أمام جشع بعض التجار”.
ودق صويلح ناقوس الخطر بشأن الموضوع، وقال “هذه السنة تهافت المواطنون أكثر بكثير من السنة الماضية، وأكيد أن العام القادم سيكون أكثر تهافتا”، داعيا إلى عقد قمة موحدة مع جميع الهيئات المعنية بشهر رمضان، من تجار ووزارة تجارة وجمعيات المستهلكين، وعلماء دين لإيجاد حل لهذه الوضعية.
جمعية المستهلك: المستهلكون مسؤولون عن الندرة وارتفاع الأسعار
قال رئيس الفدرالية الجزائرية للمستهلكين، زكي حريز في اتصال مع “الشروق” أن تهافت المواطنين في وقت واحد واقتنائهم لمختلف المواد الغذائية بكميات كبيرة تسبب في ندرة هذه المواد في الأسواق، ما جعل التجار يعتبرونها فرصة العمر لتحقيق الحد الأقصى من الأرباح، موجها أصابع الاتهام للمستهلك الذي كان دوما الضحية، لأنه كما يقول حريز “بهذا السلوك غير الحضاري ترتفع الأسعار”، موجها في نفس الوقت نصيحة للمستهلك الجزائري مفادها “عش في حدود يومك”.
الدكتور جيدل: لهفة المواطنين فاقت المعقول.. لكن لا لوم على العامة.
رفض أستاذ العقائد والأديان في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر، الدكتور عمار جيدل، تحميل المجتمع مسؤولية اللهفة التي تظهر على المواطنين خلال المناسبات الدينية والاجتماعية وعلى وجه الخصوص شهر الصيام، وأرجع ذلك إلى حالة التردي التي تعيشها منظومة القيم التي تعرفها البلاد، وقال في اتصال مع “الشروق” “لا لوم على العامة إذا نسجوا على وفق تصرفات من هم في مقام القدوة”.
واعتبر الدكتور جيدل أن لهفة المواطنين التي فاقت المعقول خلال اليومين الأولين من الشهر الكريم، بمثابة أعراض ناتجة عن مرض منظومة كلية يمتزج فيها الوعض والإرشاد والسياسة والاقتصاد والتجارة، ووصفها بالمرض في المجتمع الذي يجب التفتيش عن منابعه وأسبابه الموضوعية في مجال القدوة الدينية والاجتماعية والسياسية، حيث الاقبال بالتلهف على الدنيا إقبال المجانين “فلا لوم على العامة إذا نسجوا على وفق تصرفات من هم في مقام القدوة”.
ويرى الدكتور جيدل أن الإصلاح يكون في العمق وممتدا على الزمن ولا يكون بين عشية وضحاها، مشددا على أن الجزائريين يركزون في انتقاداتهم للأوضاع دائما على الجهة الضعيفة، داعيا إلى ضرورة إعادة النظر في الخطاب السياسي والديني والاجتماعي للبلاد، ناصحا المواطنين بمضاعفة الأجر في هذا الشهر الكريم، الذي جعله الله للتطهير والصوم لا للأكل واللهفة.