الله يرحم أيام زمان..
عند كل مناسبة دينية تاريخية ووطنية وثقافية ورياضية، نعود بالذاكرة إلى الوراء وتعود إلى الأذهان تلك الأيام الجميلة التي افتقدناها بحلوها ومرها،وافتقدنانكهتها وطعمهابرجالها ونسائها ومؤسساتها وكل المحطات التي عشناها، وتجدنا نتحسر على أيام زمان التي كان فيها رمضان شهر الخيرات، وكانت الأعياد الوطنية مناسبات للذكرى وتجديد الوفاء، وكان الساسة والمثقفون رجالا يصنعون الرأي ويؤثرون على الأحداث، وكان الفن فنا والثقافة مشروعا وطنيا يتجاوب معه المجتمع بكل فئاته، وكانت الرياضة الجزائرية تتألق في المحافل الدولية وتصنع الأفراح بأقل الامكانات..
صحيح أن لكل زمان خصائصه ومميزاته ورجاله ومؤسساته، ولكن المبادئ والقيم لا تتغير عبر العصور، ومع ذلك استفحلت الأزمة الأخلاقية عندنا على كل المستويات، وانعدمت الثقة والرحمة والرأفة، وسادت اللهفة والجري والسعي وراء الربح السهل والسريع على حساب كل شيء جميل في هذا الوطن الذي يحسدنا عليه القريب والبعيد، ولكننا لم نقدر نعمة الله علينا، ولم نعد نشعر فيه بتلك اللحمة التي كانت تجمعنا وسرقتنا المادة عن بناء أسس الدولة ومؤسساتها وثقافتها!
رمضان لم يعد الشهر الفضيل الذي تعلمنا فيه الصبر والقناعة وتربينا على فضائله وبركاته وخيراته، فصار شهر الربح المادي والأكل والنوم والشكاوى والاضطرابات، ويتمنى الفقير أن ينتهي بسرعة لتنتهي معه المعاناة، ويتمنى مصاصو الدماء أن يدوم طول السنة ليربحوا أكثر فأكثر..
ما يحدث في لندن بمناسبة الأولمبيادوقبله في بكين يقودنا إلى الحنين إلى أيام زمان، عندما كانت الجزائر تحصدالتتويجات والميداليات في أصعب الظروف التي مرت علينا.. واليوم صار رياضيونا يحلمون بالمشاركة فقط، وصرنا نتمنى أن ينتهي العرس دون فضائح أخرى كفضيحة تناول المنشطات في ألعاب القوى والسرقة في أوساط فتيات الكرة الطائرة، وعناصر منتخب الملاكمةوووالرياضة عندنا لم تعد مصدر سعادة الجزائريين وأفراحهم، بل صارت مصدر فضائح وعامل فتنة وتفرقة بين أبناء الأسرة الواحدة في عديد المناسبات.
ما يحدث في مدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا ومستشفياتنا ومصانعنا من تخلف وتراجع وتشاؤم، يزيد من أسفنا وحزننا وافتقادنا لأيام زمان التي كانت فيها المدرسة مؤسسة مقدسة، وكانت الجامعة تخرج الرجال قبل الكفاءات، وكانت مصانعنا وأراضينا الفلاحية تنتج، ومستشفياتنا تداوي، ومحاكمنا تعدل بين الناس..
الشارع صار سجنا كبيرا نخاف على أبنائنا منه بعدما كان أيام زمانمدرسة تعلمنا فيها كيف نعطي حق الطريق ونحترم الكبير ونوقر الصغير ونقدر النساء، ونحافظ على المكتسبات ونخاف من الشرطي. أما عن المؤسسات وهيبتها المفقودة وتغييبها داخليا وخارجيا فحدث ولا حرج، مما يزيد من الحنين إلى عهد بومدين وسنوات ستينيات وسبعينيات القرن الماضي..
الله يرحم أيام بومدين وبن يحيى وعلولة ورابح درياسة ومرسلي وبولمرقة، ويرحم أيام جزائر الثورة ورجالها، وجزائر السبعينيات التي كانت فيها قيمة الدينار تفوق الدولار والفرنك الفرنسي، ويرحم أيام العزة والكرامة التي كنا نشعر بها، وتلك النهضة الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها الجزائر، وعندما كان الفقير يفرح برمضان والعيد مثل الغني، وكانت القناعة تملأ العقول والقلوب، والأخلاق الحميدة سائدة، وهيبة الدولة قائمة، وكان الأمل والطموح يسكن الجميع في جزائر أفضل مما هي عليها اليوم..
يا حسراه على أيام زمان !