الرأي

اللوحة الرقمية في المدرسة: ما لها وما عليها!

في عدد متزايد من الدول، كما في الجزائر، يتم تقديَم إدخال اللوحة الرقمية إلى المدارس الابتدائية والثانوية على أنه حلٌّ عصري لمشكلة قديمة: ثقل المحفظة المدرسية. والحجة بسيطة وجذابة: استبدال الكتب المدرسية الثقيلة بجهاز إلكتروني خفيف يحتوي على جميع المقررات، فيخفّ العبء عن ظهور التلاميذ، ويواكب التعليم العصر الرقمي. غير أن هذه الرؤية، تحتاج رغم جاذبيتها إلى كثير من التروّي إذا ما وُضعت في ميزان التجارب الواقعية التي عاشتها دول أخرى متقدمة. وقد تناولنا هذا الموضوع في هذا الركن بتاريخ 23 جوان 2024 عندما أظهرت الدراسات في السويد هذا الخلل، ونعود إليه ثانية اليوم بعد ما تأكدت نفس الظاهرة أيضا في الدنمارك.

التجربة السويدية والدنماركية
تُعدّ السويد من أكثر البلدان تقدمًا في مجال التكنولوجيا الرقمية، وقد كانت من أوائل الدول التي أدخلت اللوحة الرقمية بشكل واسع في المدارس، بل وحتى في رياض الأطفال. كان الهدف المعلن هو “إعداد الأطفال لعصر الرقمنة” والتقليل من وزن المحافظ المدرسية. غير أن السنوات التي تلت هذا التوجه كشفت عن مؤشرات مقلقة. فقد أظهرت تقارير تربوية وإعلامية حديثة تراجعًا واضحًا في مستوى القراءة والفهم لدى التلاميذ.
وتحدثت جهات تعليمية رسمية عن أزمة قراءة حقيقية لدى التلاميذ حيث بات عدد معتبر منهم يجد صعوبة في قراءة نصوص طويلة وفهمها وتحليلها. وأمام هذه المعطيات، قررت السويد قبل سنتين إعادة الاعتبار للكتب المدرسية المطبوعة وتعزيز تعليم القراءة والكتابة بالوسائل التقليدية، معتبرة أن الاعتماد على الشاشات أضعف بعض المهارات الأساسية لدى التلميذ. ولم يكن هذا القرار حنينًا إلى الماضي، بل استجابة لنتائج ملموسة أظهرت أن الكتاب الورقي والتمارين المكتوبة يظلان عنصرين أساسيين في بناء الكفاءات الذهنية العميقة لدى المتعلم، خاصة في المراحل الأولى من التعليم.
وفي الدنمارك، وهي دولة أخرى يُضرب بها المثل في التقدم الرقمي والأداء المدرسي، سلك التعليم مسارًا مشابهًا قبل سنوات في الرقمنة المكثفة. غير أن تقييم نتائج التحصيل المدرسي أثبت الآن أن مستوى القراءة والكتابة، خاصة لدى الفئة الضعيفة من التلاميذ، لم يتحسن عكس ما كان متوقعًا، بل عرف في بعض الحالات ركودًا وتراجعًا. هذا الوضع دفع السلطات الدنماركية مؤخرا إلى إعادة إدماج الكتب المدرسية الورقية بشكل واسع ضمن سياسة تعليمية جديدة تقوم على التوازن الهجين (الورقي والرقمي).
فاللوحة الرقمية لم تتم إزالتها في هذا البلد، لكنها لم تعد أداة مركزية وحصرية، بل أصبحت وسيلة مكملة تُستخدم في أنشطة محددة، في حين استُعيد الكتاب المطبوع بوصفه دعامة أساسية للتعلم العميق. ويستند هذا التوجّه إلى قناعة تربوية متزايدة مفادها أن القراءة على الورق تعزز التركيز، وتُحسّن الفهم والاستيعاب، وتدعم الذاكرة طويلة المدى، خاصة لدى الأطفال والمراهقين الذين ما تزال قدراتهم المعرفية في طور التشكّل.

رأي الدراسات الحديثة
ذلك هو رأي الخبراء اليوم بعد مختلف التجارب الرقمية في عديد البلدان الغربية والآسيوية. وفي هذا السياق، تشير أبحاث علمية متزايدة كمًا وكيفًا إلى أن القراءة على الورق تختلف معرفيًا عن القراءة على الشاشة. فقد خلصت تحليلات لعدد كبير من الدراسات إلى أن الفهم والاستيعاب يكونان، في المتوسط، أفضل عند القراءة من نص مطبوع مقارنة بالنص الرقمي، وهي الظاهرة التي يسميها الباحثون “تأثير تفوّق الورق على الشاشة” أو “تأثير دونية الشاشة” (Screen inferiority effect).
ويعود سبب هذا الفارق إلى عدة عوامل، من بينها أن الورق يوفر للقارئ مرجعيات مكانية (الصفحة، موضع الفقرة)، ويقلل من عوامل التشتت، ويسمح بقراءة أبطأ وأكثر تأملاً. وهذه الخصائص ذات أهمية بالغة، خصوصًا في مرحلة تعلم القراءة وبناء الكفاءات الأساسية. كما تُظهر الدراسات التربوية أن إدخال العامل التكنولوجي (اللوحة والهاتف والتلفزة والفيديو…) لا يضمن تحسن النتائج الدراسية، بل إن الأثر الإيجابي أو السلبي يرتبط أساسًا بكيفية توظيف هذه الأدوات، وبمستوى تكوين المعلّمين، وبالبيئة التعليمية العامة. وعندما تُستعمل اللوحة الرقمية دون تصور بيداغوجي واضح، فإنها قد تتحوّل إلى مصدر تشتيت أكثر منها وسيلة تعلم فعّالة.
لا شك أن ثقل المحفظة المدرسية يمثل مشكلة حقيقية، ويُقلق الكثير من الأسر، خاصة في المراحل الأولى من التعليم. ولهذا يُنظر إلى اللوحة الرقمية على أنها حل عملي وسريع. غير أن هذا الحل الظاهري يتجاهل بعض العوامل التي لا بد من مراعاتها:
– يتمثل العامل الأول في التكلفة الحقيقية، فاقتناء الأجهزة، وصيانتها، وتجديدها، وتكوين المعلّمين على استخدامها مع التلاميذ، يمثل عبئًا ماليًا مستمرًا قد يفوق في آخر المطاف، تكلفة طباعة الكتب المدرسية وتحديثها دوريًا.
– يكمن العامل الثاني في “البنية التحتية” فليس كل المؤسسات التعليمية مجهزة بالكهرباء المستقرة، أو بوسائل صيانة قادرة على ضمان عمل الأجهزة بشكل دائم لدى كل تلميذ في القسم وخارجه.
– العامل الثالث يتعلق بإدارة القسم الدراسيك: فقد تفتح اللوحة الرقمية أبوابًا واسعة أمام الألعاب والتطبيقات، مما يصعّب مهمة الحفاظ على تركيز التلاميذ داخل القسم. لهذا، فإن مشكلة ثقل المحفظة يجب أن تُناقَش بمعزل عن مسألة الفعالية التربوية، ولا ينبغي أن تكون مبررًا كافيًا لإحداث تحوّل جذري في المنظومة التعليمية دون أدلة قوية على جدواه.

الحل في البحث عن هجين متوازن
يعلم الجميع أن هناك بدائل واقعية لتخفيف وزن المحفظة دون التفريط في جودة التعلم. فبدل التوجه نحو تعميم اللوحة الرقمية، يمكن اعتماد حلول عملية ومتوازنة، من بينها:
– مراجعة شكل الكتاب المدرسي، إذ يمكن تصميم كتب مدرسية أخف وزنًا، وأكثر تركيزًا، ومقسّمة حسب الوحدات أو الفترات الدراسية. من شأن ذلك تقليل عدد الكتب المحمولة يوميًا.
– كما يمكن اعتماد نموذج تعليمي هجين يجمع بين الورق والرقمي حيث تُستخدم الوسائل الرقمية في أنشطة محددة (محاكاة، فيديوهات، بحث موجّه…)، بينما تُحفظ النصوص الأساسية والتمارين العميقة على الورق.
– من الحلول التنظيمية توفير خزائن داخل الأقسام في المدارس تحفظ فيها الكتب إلى الأيام الموالية إن كان التلميذ غير مطالب باستعمالها خلال تلك الفترة.
إن التعليم مجال بالغ الحساسية، ولا يجوز فيه التسرع والانقياد وراء الحلول السهلة التي لا نقرأ عواقبها كما جرى في السويد والدنمارك. فتجربة هذين البلدين تثبت بوضوح أن التحولات التربوية الكبرى يجب أن تُبنى على الأدلة والتقييم المستمر، لا على الانبهار بالتكنولوجيا وحدها. وقبل الإقدام على تعميم اللوحة الرقمية في المدارس، من الضروري دراسة تجارب الدول التي سبقتنا في هذا المجال، وتحليل نتائجها بموضوعية، وإشراك المعلمين والباحثين في اتخاذ القرار.
حريّ بوزارة التربية عندنا، استنادًا إلى تجارب الغير، أن تنتهج خيارًا تربويًا متزنًا يقوم على الجمع بين اللوحة الرقمية والكتاب الورقي في صيغة هجينة ومدروسة. هذا النهج المتزن وحده كفيل بأن يحقق هدفين في آن واحد: تخفيف العبء المادي عن التلاميذ، وضمان تعلم متين، وعادل للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة