اللّغة لا علاقة لها بالإلزام وحكمك غير مؤسّس يا دكتور سعدي(الجزء الأول)
لقد نشّط الدكتور سعيد سعدي يوم الخميس 06 جوان 2015، بدائرة سيدي راشد أمسيّة تحت عنوان “العيمش علي: نجمة في فجر الجزائر”. وخلال هذه الأمسية ذكّر بالنضال من أجل الأمازيغية، مشيرا بطريقة غير مباشرة للنقاش الدّائر حاليا حول المدرسة. وفي هذا السياق، أشاد بما حقّقته القضية، من اعتراف مختلف الفاعلين السياسيين في الجزائر ـوحتى المغرب ـ بها، بما فيهم الإسلاميون، إن عن قناعة أو تكتيكا على حدّ تعبيره. وفي رأيه، يبقى ذلك منقوصا، ما لم تتحوّل إلى لغة إجبارية في التعليم شأنها شأن اللغة العربية. وقد عبّر عن ذلك بقوله: “لو لم تكن اللّغة العربيّة اتّخذت الطابع الإلزامي، ما كان لكثير من الجزائريين ليتعلّموها، خاصّة في منطقة القبائل”.
بداية، أردّ عليك أخي سعدي كمؤرخ، وبعيدا عن الأدلجة، وسلاحي في ذلك المادّة التوثيقية، ففيها فصل الخطاب. وما يعنيني فيما أثرته، هو عبارة “إجبار و/أو إلزام” الجزائريّين كي يتعلّموا العربية؟
1- يجمع الدّارسون، على أنّ تطوير نفوذ لغة ما وزيادة أهمّيتها، يقتضي تكامل عوامل جغرافية واقتصادية وتجارية ودينية واجتماعية، بحيث يتخطّى استخدامها حدود مجتمعها الأصلي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يرى “أوستلر” أنّ الفينيقيّة انتشرت في مرحلة معيّنة في حوض البحر المتوسط نتيجة النّشاط التجاري الكثيف والبارع للفينيقيين، الذين جعلوا من ذلك البحر بحيرة تربط الشّعوب القاطنة شواطئه وتسّهل تواصلها، أمّا اللّغة اللاتينية فانتشرت عبر الغزوات والحروب التي شنّها الرّومان.
واللّغة العربية، لم تشذ عن هذه السيرورة، فحسب الدّارسين، فإنّ ذلك يعود للحمولة الدينية القويّة لها؛ فقد نزل القرآن الكريم على الرسول (ص) ليكون نصّاً لغويّاً مركزيّاً التفّت حوله قبائل العرب. وقد جاء هذا النصّ الربّاني بتشريع دينيّ ومدنيّ كامل ساهم في لمّ شمل وزيادة تلاحم القبائل العربية المتناحرة سابقاً، وأحدث نقلة ثقافيّة في مفاهيم العرب وقيمهم، التي أصبحت تتكلّم عن المساواة والعدل بدلاً من الشّجاعة والقتال والحرب. من ناحية أخرى، أسهم ظهور الإسلام أيضاً في إيجاد لهجة عربيّة مركزيّة التفّ حولها العرب وغيرهم، وهي لهجة قريش ولغة القرآن الكريم، وهي لهجة تتوفّر فيها، إلى جانب الأهمّية الدينية، عوامل أخرى تؤهلها للعب مثل هذا الدور، إذ تحتلّ مكانا جغرافيا وسطا نسبيا على طريق تجاري هام، وتتكلّمها قبيلة ذات غنى واسع يشتغل أهلها معظمهم بالتجارة، وبها تعقد أسواق تجارية وثقافية بصفة منتظمة أشبه ما تكون بالمؤتمرات الدورية. ومن ثمّ، أصبحت لهجة قريش اللّهجة المعيارية التي أُطلق عليها العربية الفصحى التي أخذت بالتّمركز، وتعاظمت قوى الجذب المركزي فيها وانتقلت من طور التأثّر إلى طور التأثير.
يأتي هذا التّأثير، بعد أن اعتنقت بعض الشعوب في آسيا وإفريقيا الإسلام، وما تطلّبه من الإقبال على تعلّم العربية إيماناً من هذه الشعوب بأنّ ذلك من الدّيانة أوّلاً ولتعلّم مبادئ الدّين وأحكامه ثانياًّ. ولعلّ إقبال هؤلاء على اللغة العربية – باعتبارها لغة الوحي – هو الذي جعل أجيالا من هذه الشعوب تتخلّى عن لغاتها الأم لفترة من الزّمان، إذ أخذت عنها المفردات والمصطلحات التي تعبّر عن المفاهيم الدينية والأدبية والعلمية والأسس الحضارية المشتركة، كما تأثّرت العربية هي الأخرى من كلّ ذلك، وهو ما يسمّى بالتلاقح الثقافي بين اللّغة العربية واللّغات الإسلامية الأخرى، حتى أصبح من الصّعب تحديد الأصول العرقية للعديد من المفكّرين والأدباء المسلمين في القرون الأولى للإسلام. وعلى مرّ العصور ونتيجة للتلاقح النّشط بين مختلف الشعوب أصبح كثير من الكلمات والمصطلحات يُشكّل بناء مشتركاً للمفاهيم والقيم الثقافية المشتركة لهذه الشعوب.
2-إنّ الفرد يتأثّر باللغة التي يتحدّث ويتواصل بها أبلغ تأثير، ويمتدّ هذا التّأثير ليشمل تفكيره وتصوّراته، وعقائده، ومشاعره، وعواطفه، وسلوكه، وإرادته، وجميع تصرّفاته.
3-إنّ الفرد حين يفضّل لغة على لغة، فإنّه فضّل فكرا على فكر، وثقافة على ثقافة، ثمّ أن يتحدّث الفرد بلغة، ويفضّل استخدام هذا الشّكل دون الآخر، فهو شيء يتجاوز مجرّد الاستخدام لأداة من أدوات التّواصل، بمعنى، إنّ لاختياره دلالة، كما أنّ لمحتوى الرّسالة دلالة في الوقت نفسه. وهذا ما ينطبق على المجتمع الجزائري في إقباله على تعلّم اللغة العربية شأنه في ذلك شأن بقية الأمم من منطلق أنّ “اللغة لا تصلح للتّواصل، بل تصلح للوجود” على حدّ تعبير “جاك بيرك…
يتبع…..
* أستاذ بجامعة أبو القاسم سعد الله