الرأي

المال والسلطة.. هل مِن حل؟

محمد سليم قلالة
  • 2081
  • 0

تعديلٌ بسيط في القانون العضوي المحدِّد لحالات التّنافي مع العهدة البرلمانية يكفي لتطهير القوائم الانتخابية تطهيرا كليا من أولئك الذين يسعون إلى الجمع بين المال والسياسة، وتعميم هذا التعديل وتطبيقه على كافة المسؤوليات في الدولة سيكون كافيا لعلاج مشكلة الفساد الذي أصبح “مُضِرًّا بالرعايا مُفسِدا للجباية” على حد تعبير عالم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون.

القانون العضوي رقم 02ـ12 المذكور ينُص صراحة مِن بين ما ينُص عليه في مادته الثالثة على تنافي العهدة البرلمانية مع ممارسة نشاط تجاري، مهنة حرة شخصية أو باسم النائب، كما ينص في مادته الرابعة أنه “لا يمكن لعضو البرلمان خلال ممارسة عهدته استعمال أو السماح باستعمال اسمه الشخصي، مشفوعا بصفته، في إشهار يخدم مؤسسة مالية أو صناعية أو تجارية”.
ماذا لو تم تطبيق أحكام هذه المادة على المترشحين للبرلمان أو لمناصب المسؤوليات العليا؟ وماذا لو تم تفعيلها حقا في العهدة البرلمانية السابقة وبالنسبة لأعضاء الحكومات المتتالية وكبار المسؤولين في الدولة؟ ألا نكون قد قُمنا بغلق الباب على ما يُعرف بأصحاب المال الفاسد؟ أليس المرض عندنا واضحا والعلاج واضحا، إلا أن مشكلتنا هي في عدم تطبيق القانون، وفي الاهتمام به من الناحية الشكلية فقط؟
كم من برلماني سابق خرق هذا القانون واستمر في ممارسة أعماله ونشاطه التجاري شخصيا أو باسمه دون أن تُطبَّق عليه أحكامه؟ وكم من مسؤول سام فعلها؟ ماذا لو كان هناك تطبيقٌ صارم  للقانون؟ أكان استمرَّ الحديث عن فساد في الدولة؟ أكانت استمرت حالة اليأس التي تُطارد الناس في كل مكان بأنه لا أمل في إصلاح الأوضاع؟
يبدو أننا لسنا في حاجة إلى أكثر من سلطةٍ صالحة تقوم بتطبيق القانون أولا على نفسها وثانيا على الآخرين، وستتغيَّر الأمور تدريجيا نحو الأحسن وقبل فوات الأوان، وهذا لن يتم إلا بأن تقف في وجه سلطة المال سلطة الدولة بجميع مكوِّناتها، ذلك أننا لا يمكننا “أن نوقف السلطة إلا بالسلطة” على حد تعبير “مونتسكيو” في باب الفصل بين السلطات، وأن بقاء سلطة المال مندمجة أو متداخلة مع السلطة السياسية سيمنع أي تغيير في هذا الاتجاه وسيزيد الوضع تفاقما.
لذا، فإنه من باب السعي لبناء الدولة وفق أسس صحيحة أن نعود إلى المبادئ الأولى التي ينبغي أن تقوم عليها دولة لا يجمع فيها الحاكم بين السلطة والمال كما لا يجمع بين السلطة والتبحُّر في الفقه، ذلك أنه عبر تاريخنا الطويل لم يكن أبدا أفقه الناس وأكثرهم علما هو السلطان، ولا كان أكثرهم مالا هو الحاكم، وإن حدث فذاك ليس مِنَّا وينبغي ألا نُقلده، وتلك مساحة أخرى للأمل إن فهمنا وفعلنا.

مقالات ذات صلة