المثقفون ومشروع التنوير
أذكر أن مؤرخا عربيا سُئل مرّة عن رأيه في المثقفين في بلداننا وعلاقتهم بالسلطة، وطُلب منه أن يكتب شيئا عن هذا الموضوع الذي أسال الكثير من المداد منذ حصول بلداننا على استقالاتها إلى يومنا هذا، فقال هذا المؤرخ بلهجة اختلط فيها المزاح بالموقف الجدي النقدي الصارم بأن المشكلة الأساسية التي يواجهها المرء حين يريد أن يدلي بدلوه في هذه القضية تتمثل في وجود ما يشبه السلطة السياسية وما يشبه المثقفين في بلداننا، ماعدا بعض الاستثناءات القليلة التي تظهر على نحو خافت خارج هذا السيرك.
عندما يقال بأنه لا يوجد ببلداننا سوى ما يشبه السلطة وما يشبه المثقفين، فهذا يعني في الجوهر غياب السلطة التي تكرس نفسها لتحقيق مجتمعات الحريات، والديمقراطية، والوفرة الاقتصادية، والرخاء الاجتماعي، وكذلك غياب المثقفين الفاعلين الذين ينتجون الثقافة المتطورة، والأفكار الجديدة المستنيرة ويمارسون السلوك الميداني النموذجي.
لا شك أنه يوجد لدينا حكام، وأصحاب القرارات السياسية والتشريعية، كما يوجد عندنا أدباء ونقاد ودكاترة في مختلف التخصصات ومهندسون وقضاة ومحامون ومدرسون وهكذا دواليك، ولكن هنالك فرقاً بين الوجود الظاهري والشكلي، وبين الوجود الإبداعي والتنويري والتحديثي.
لاشك أن عدم تبلور فكرة تقاسم الأدوار، بين من هم في سدة الحكم وبين أهل الرأي والفكر في مجتمعاتنا يعدّ كارثة كبرى، فالمتمسكون بدواليب السلطة والحكم يعتقدون أنهم هم أصحاب الفكر والرأي فقط، وأهل الفكر يعتقدون أنهم الأولى بكراسي الوزراء والسفراء والرؤساء.. وهكذا يبدو المشهد وكأنه حلبة صراع حول المكانة والوجاهة والمناصب، وليس حول المشروع الحضاري المتمثل في البناء الوطني والتنمية المادية الحداثيين وأسسهما الثقافية والعلمية والفنية. إن طمس فكرة تقاسم الأدوار تعد واحدة من المشكلات المركزية التي لم تجد حلا إلى يومنا هذا.
أما المشكلة الثانية التي تطرح نفسها بإلحاح وإصرار، فتتمثل في غياب “مشروع” الدولة الوطنية التحديثية المؤسَّسة على الهندسة الفكرية المتطورة وليس على المشاغبات الشللية أو الحزبية التي تتميز بالمعارك البهلوانية والتشرذم والعنتريات التي لا تغني ولا تسمن من جوع. لو كان هنالك “مشروع” حقيقي في صورة قضية كبرى في بلداننا لوجدنا المثقفين وكذلك أصحاب وأعوان السلطة ينطلقون أولا وقبل كل شيء من قاعدة تقاسم الأدوار حيث ينجز كل واحد وفي ميدان تخصصه ما يساعد على تحقيق هذا المشروع المحوري المفترض.
أما المشكلة الثالثة التي تطفو على السطح فتتلخص في أننا نحصر السلطة غالبا في نطاق أدبيات ممارسات الحكم، علما أن السلطة مفهوم مركّب ومتعدد الأبعاد وليست ذات بُعد سياسي وتنفيذي فقط لأن السلطة تعني سلسلة الخطابات والممارسات المنتِجة للمعنى، وهكذا يكون التراث سلطة، وتكون القيم الاجتماعية سلطة، وتكون الإيديولوجية الدنيوية أو الدينية سلطة.. وهلم جرا.
ومن هنا، فإن تحليل هذه السلطة وأبنيتها المادية ليس أمرا هيِّنا، وأكثر من ذلك فإن السلطة لا تظهر على السطح دائما، بل هي موجودة في المناطق اللامرئية من ذواتنا وتسكن في لا وعينا الفردي أو الجمعي.
إن السلطة هي القيم الموروثة والمغروسة فينا لا ندركها دائما بسهولة علما أنها هي التي تحركنا وتشكل شخصيتنا، وفي الغالب نعيد إنتاجها بلا وعي، والدليل على ذلك هو أن تغيير القيم، والبنيات الثقافية، والوعي، ومخزون اللاوعي، لا تحدث ببساطة وفي لحظة من الزمان أو في موسم. إنه يمكن أن لنا أن نستبدل عمارة سكنية بعمارة أخرى في ظرف زمني قياسي إذا توفرت الإمكانات المادية والمعرفة المعمارية، كما يمكن لنا أن نشيّد مصنعا لإنتاج الدراجات محل مصنع لإنتاج المعلبات، ولكن استئصال القيم الأخلاقية أو أنماط التفكير البالية وإحلال أخرى متقدمة وحداثية محلها مسألة صعبة ومعقدة ودرامية حقا، وهي عملية طويلة المدى وأحيانا لا تنجح إلا جزئيا.
على ضوء ما تقدم، فإنه لابد من التمييز بين قيم السلطة والتسلط وبين سلطة القيم بكل أنواعها وتنويعاتها الثقافية والدينية والاجتماعية والأخلاقية. لاشك أن علاقة المثقفين بالسياسيين من أكثر العلاقات تعقيدا كما أنه من المعروف أن السياسي براغماتي بطبعه الاستعجالي، وهو يتعامل مع مشكلات في اللحظة الآنية، ولكن المثقفين يتعاملون مع الأفكار والقضايا الكبرى ذات الصلة بمسار التاريخ والحضارة. وبالنتيجة، فإن المثقفين الحقيقيين هم المهندسون الوطنيون الذين يرسمون المخططات الهندسية الروحية، والفكرية، والثقافية، والفنية، والاقتصادية، والأخلاقية، والمضمون الجديد للمدنية لمجتمعاته، وأن مهمة رجال ونساء السياسة تمثل في تطبيق الأفكار وتفعيلها في الميدان.
إن التاريخ البشري حافلٌ بنماذج المثقفين الذين لعبوا أدوارا جذرية ونجحوا في تغيير نمط الذهنية المتخلفة المسيطِرة على مجتمعهم. إنه يمكن لنا أن نستفيد من التجربة الألمانية حيث برز في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مثقفون مهّدوا بأفكارهم للتحديث والتقدم وللأفكار الديمقراطية، وذلك من خلال الإجابة عن سؤالين مركزين لعصرهم أولهما: ما التنوير؟ والثاني هو: ما هو العقل؟ وكيف يمكن أن تتم وحدته؟ فالأنوار بالنسبة لهؤلاء ليست مجرد إنجازات مادية متطورة وإنما هي انبعاث الإنسان من الركود ومن حالة عدم النضج، وهكذا نجد هؤلاء المفكرين قد رفعوا شعار “إملك الشجاعة أن تستعمل فهمك الخاص بك“.
وبهذا الخصوص نجد مفكرا عملاقا من طراز “إمانويل كانط” قد لخص مأزق التبعية وتجميد عملية النضج لدى الإنسان في هذه العبارات: “إذا كان لديّ كتاب ليفهم في مكاني، والمستشار الروحي ليوفر لي الضمير، والطبيب ليقرر لي الحمية الخ… فإنني لا أحتاج إلى أن أقوم بأي جهد على الإطلاق“.
إن التنوير الذي أسس له هؤلاء المفكرون هو الذي صنع المجتمع الألماني الحديث والمتطور في جميع المجالات، وهو الذي مكن الشعب الألماني من تجاوز الذهنية التقليدية المتخلفة والإذعان “للمؤسسات والصيغ الجاهزة” التي تمثل “قيودا تعطل المواهب وترسخ العطالة” وهم الذين رسخوا تقاليد حرية العقل واستعمال المرء “لفهمه الخاص علانية في جميع المجالات“، كما أسسوا للثقافة الحرة الثائرة على قيود الطاعة العمياء، والذهنية التي تكرر النماذج البالية “وتنصّب القوى الخارجية لكي تفكر للفرد وتشرّع لحياته“؛ ففي تقديري فإن السؤال الجوهري الذي يطرح علينا الآن وبقوة هو ليس من شاكلة: “ما هي الديمقراطية وما هي العدالة“؟
وفي رأيي، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في الوقت الحاضر هو: ما الذي ينبغي عمله لكي نبني الشروط النفسية والثقافية والتربوية والاجتماعية والسياسية والروحية والاقتصادية والتشريعية التي تمكننا من السير نحو الديمقراطية وإلى بناء الإنسان الجديد والحديث ذهنية وسلوكا؟
وهنا ينبغي لنا أن نصغي باهتمام لهذه النصيحة الثمينة التي قدّمها المفكر الألماني المذكور آنفا لشعبه وهي ضرورة توخي الحذر من الانقلابات لتحقيق التنوير لأن “الجمهور لا يمكن أن يصل إلى الأنوار إلا ببطء“، وفي اعتقاده فإن الانقلابات تفرز حتما “أضرارا جديدة“، مثل تلك التي أخذت مكانتها، وسوف تُستخدم كرسن للتحكم في الجمهور العريض الذي لا يفكر“.
أليست مهمة مثقفينا الآن هي تحطيم هذا الرسن الذي يوضع في أفواه الجماهير لنُقاد مثل الحيوانات؟