-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المثقفون ومشروع التنوير

عمر أزراج
  • 1116
  • 0
المثقفون ومشروع التنوير

أذكر أن مؤرخا عربيا سُئل مرّة عن رأيه في المثقفين في بلداننا وعلاقتهم بالسلطة، وطُلب منه أن يكتب شيئا عن هذا الموضوع الذي أسال الكثير من المداد منذ حصول بلداننا على استقالاتها إلى يومنا هذا، فقال هذا المؤرخ بلهجة اختلط فيها المزاح بالموقف الجدي النقدي الصارم بأن المشكلة الأساسية التي يواجهها المرء حين يريد أن يدلي بدلوه في هذه القضية تتمثل في وجود ما يشبه السلطة السياسية وما يشبه المثقفين في بلداننا، ماعدا بعض الاستثناءات القليلة التي تظهر على نحو خافت خارج هذا السيرك.

عندما يقال بأنه لا يوجد ببلداننا سوى ما يشبه السلطة وما يشبه المثقفين، فهذا يعني في الجوهر غياب السلطة التي تكرس نفسها لتحقيق مجتمعات الحريات، والديمقراطية، والوفرة الاقتصادية، والرخاء الاجتماعي، وكذلك غياب المثقفين الفاعلين الذين ينتجون الثقافة المتطورة، والأفكار الجديدة المستنيرة ويمارسون السلوك الميداني النموذجي.

لا شك أنه يوجد لدينا حكام، وأصحاب القرارات السياسية والتشريعية، كما يوجد عندنا أدباء ونقاد ودكاترة في مختلف التخصصات ومهندسون وقضاة ومحامون ومدرسون وهكذا دواليك، ولكن هنالك فرقاً بين الوجود الظاهري والشكلي، وبين الوجود الإبداعي والتنويري والتحديثي.

لاشك أن عدم تبلور فكرة تقاسم الأدوار، بين من هم في سدة الحكم وبين أهل الرأي والفكر في مجتمعاتنا يعدّ كارثة كبرى، فالمتمسكون بدواليب السلطة والحكم يعتقدون أنهم هم أصحاب الفكر والرأي فقط، وأهل الفكر يعتقدون أنهم الأولى بكراسي الوزراء والسفراء والرؤساء.. وهكذا يبدو المشهد وكأنه حلبة صراع حول المكانة والوجاهة والمناصب، وليس حول المشروع الحضاري المتمثل في البناء الوطني والتنمية المادية الحداثيين وأسسهما الثقافية والعلمية والفنية. إن طمس فكرة تقاسم الأدوار تعد واحدة من المشكلات المركزية التي لم تجد حلا إلى يومنا هذا.

أما المشكلة الثانية التي تطرح نفسها بإلحاح وإصرار، فتتمثل في غيابمشروعالدولة الوطنية التحديثية المؤسَّسة على الهندسة الفكرية المتطورة وليس على المشاغبات الشللية أو الحزبية التي تتميز بالمعارك البهلوانية والتشرذم والعنتريات التي لا تغني ولا تسمن من جوع. لو كان هنالكمشروعحقيقي في صورة قضية كبرى في بلداننا لوجدنا المثقفين وكذلك أصحاب وأعوان السلطة ينطلقون أولا وقبل كل شيء من قاعدة تقاسم الأدوار حيث ينجز كل واحد وفي ميدان تخصصه ما يساعد على تحقيق هذا المشروع المحوري المفترض.

أما المشكلة الثالثة التي تطفو على السطح فتتلخص في أننا نحصر السلطة غالبا في نطاق أدبيات ممارسات الحكم، علما أن السلطة مفهوم مركّب ومتعدد الأبعاد وليست ذات بُعد سياسي وتنفيذي فقط لأن السلطة تعني سلسلة الخطابات والممارسات المنتِجة للمعنى، وهكذا يكون التراث سلطة، وتكون القيم الاجتماعية سلطة، وتكون الإيديولوجية الدنيوية أو الدينية سلطة.. وهلم جرا.

ومن هنا، فإن تحليل هذه السلطة وأبنيتها المادية ليس أمرا هيِّنا، وأكثر من ذلك فإن السلطة لا تظهر على السطح دائما، بل هي   موجودة في المناطق اللامرئية من ذواتنا وتسكن في لا وعينا الفردي أو الجمعي.

إن السلطة هي القيم الموروثة والمغروسة فينا لا ندركها دائما بسهولة علما أنها هي التي تحركنا وتشكل شخصيتنا، وفي الغالب نعيد إنتاجها بلا وعي، والدليل على ذلك هو أن تغيير القيم، والبنيات الثقافية، والوعي، ومخزون اللاوعي، لا تحدث ببساطة وفي لحظة من الزمان أو في موسم. إنه يمكن أن لنا أن نستبدل عمارة سكنية بعمارة أخرى في ظرف زمني قياسي إذا توفرت الإمكانات المادية والمعرفة المعمارية، كما يمكن لنا أن نشيّد مصنعا لإنتاج الدراجات محل مصنع لإنتاج المعلبات، ولكن استئصال القيم الأخلاقية أو أنماط التفكير البالية وإحلال أخرى متقدمة وحداثية محلها مسألة صعبة ومعقدة ودرامية حقا، وهي عملية طويلة المدى وأحيانا لا تنجح إلا جزئيا.

على ضوء ما تقدم، فإنه لابد من التمييز بين قيم السلطة والتسلط وبين سلطة القيم بكل أنواعها وتنويعاتها الثقافية والدينية والاجتماعية والأخلاقية. لاشك أن علاقة المثقفين بالسياسيين من أكثر العلاقات تعقيدا كما أنه من المعروف أن السياسي براغماتي بطبعه الاستعجالي، وهو يتعامل مع مشكلات في اللحظة الآنية، ولكن المثقفين يتعاملون مع الأفكار والقضايا الكبرى ذات الصلة بمسار التاريخ والحضارة. وبالنتيجة، فإن المثقفين الحقيقيين هم المهندسون الوطنيون الذين يرسمون المخططات الهندسية الروحية، والفكرية، والثقافية، والفنية، والاقتصادية، والأخلاقية، والمضمون الجديد للمدنية لمجتمعاته، وأن مهمة رجال ونساء السياسة تمثل في تطبيق الأفكار وتفعيلها في الميدان.

إن التاريخ البشري حافلٌ بنماذج المثقفين الذين لعبوا أدوارا جذرية ونجحوا في تغيير نمط الذهنية المتخلفة المسيطِرة على مجتمعهم. إنه يمكن لنا أن نستفيد من التجربة الألمانية حيث برز في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مثقفون مهّدوا بأفكارهم للتحديث والتقدم وللأفكار الديمقراطية، وذلك من خلال الإجابة عن سؤالين مركزين لعصرهم أولهما: ما التنوير؟ والثاني هو: ما هو العقل؟ وكيف يمكن أن تتم وحدته؟ فالأنوار بالنسبة لهؤلاء ليست مجرد إنجازات مادية متطورة وإنما هي انبعاث الإنسان من الركود ومن حالة عدم النضج، وهكذا نجد هؤلاء المفكرين قد رفعوا شعارإملك الشجاعة أن تستعمل فهمك الخاص بك“.

وبهذا الخصوص نجد مفكرا عملاقا من طرازإمانويل كانطقد لخص مأزق التبعية وتجميد عملية النضج لدى الإنسان في هذه العبارات: “إذا كان لديّ كتاب ليفهم في مكاني، والمستشار الروحي ليوفر لي الضمير، والطبيب ليقرر لي الحمية الخفإنني لا أحتاج إلى أن أقوم بأي جهد على الإطلاق“.

إن التنوير الذي أسس له هؤلاء المفكرون هو الذي صنع المجتمع الألماني الحديث والمتطور في جميع المجالات، وهو الذي مكن الشعب الألماني من تجاوز الذهنية التقليدية المتخلفة والإذعانللمؤسسات والصيغ الجاهزةالتي تمثلقيودا تعطل المواهب وترسخ العطالةوهم الذين  رسخوا تقاليد حرية العقل واستعمال المرءلفهمه الخاص علانية في جميع المجالات، كما أسسوا للثقافة الحرة الثائرة على قيود الطاعة العمياء، والذهنية التي تكرر النماذج الباليةوتنصّب القوى الخارجية لكي تفكر للفرد وتشرّع لحياته؛ ففي تقديري فإن السؤال الجوهري الذي يطرح علينا الآن وبقوة هو ليس من شاكلة: “ما هي الديمقراطية وما هي العدالة؟

وفي رأيي، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في الوقت الحاضر هو: ما الذي ينبغي عمله لكي نبني الشروط النفسية والثقافية والتربوية والاجتماعية والسياسية والروحية والاقتصادية والتشريعية التي تمكننا من السير نحو الديمقراطية وإلى بناء الإنسان الجديد والحديث ذهنية وسلوكا؟

وهنا ينبغي لنا أن نصغي باهتمام لهذه النصيحة الثمينة التي قدّمها المفكر الألماني المذكور آنفا لشعبه وهي ضرورة توخي الحذر من الانقلابات لتحقيق التنوير لأنالجمهور لا يمكن أن يصل إلى الأنوار إلا ببطء، وفي اعتقاده فإن الانقلابات تفرز حتماأضرارا جديدة، مثل تلك التي أخذت مكانتها، وسوف تُستخدم كرسن للتحكم في الجمهور العريض الذي لا يفكر“. 

 

أليست مهمة مثقفينا الآن هي تحطيم هذا الرسن الذي يوضع في أفواه الجماهير لنُقاد مثل الحيوانات؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بسم الله ، اشكرالكاتب ... ملاحظتي على كتاباته واقصد ماقرات انه يحاول دائما ان يرسخ لدينا ان العلم غربي والتفكير غربي والنورغربي ... والخلاص غربي .اي ان كل ماليس له رائحة بالاسلام فهو ايجابي ونافع . وكلمااستشهدذكرعلماءه الذين علموه ان الحضارة والحداثة .. انماخلقت بعد القرن 16 م وهم من خلقها ؟ ولايتطرق لحضارة ملا نور هاالمشارق والمغارب وتتلمذعلماؤه على علمائها. حدثنا ياتنويري عماكان منذ 600 م حتى القرن 18 ، حقا {يهدي الله لنوره من يشاء} .

  • رشيد - Rachid

    السؤال الأول هو: هل لدينا أمثال هؤلاء المفكرين في بلادنا؟
    السؤال الثاني: (إذا كانت الإجابة على السؤال الأول بنعم طبعا) ماذا قدم هؤلاء المفكرون لأبناء المجتمع؟ أين هو هذا الفكر التنويري الذي نتكلم عنه.
    الفكر لدينا منحصر تمام الانحصار في تقليد الغرب ومحاولة استنساخ الطرق التي سلكوها مغفلين تماما الاختلاف الجذري في تركيبة المجتمع العربي عن المجتمعات الغربية...
    نعم نستفيد من أفكارهم، لكن على طريقتنا وبما يتناسب مع طبيعتنا.

  • كريم

    وأنت يالفاهم ما هو شكل هندامك؟ هل تلبس القندورة و العمامة ؟ الرجل يكتب بالعربية و بأسلوب راقي فماذا تريد منه، أن يطلق لحيته و يلبس نصف الساق؟ لماذا كل رجل يحدثكم عن الحداثة و التقدم تصفونه بالمتغرب و المسلوب ثقافيا؟ تريدون البقاء في تخلّفكم و أوهامكم بأنكم خير أمة أخرجت للناس ، تبحثون عن النجدة في كتبكم الصفراء ودعائكم الذي ليس له من مجيب. أفيقوا قبل فوات الآوان.

  • الفاهم

    بإختصار شديد سيدي المجتمع علته من مثقفيه مثقفونا يحاولون تغريب المجتمع على أصله . ويحاولون غرس الفكر الغربي في المجتمع مثلا أنت سيدي عمر حينما رايت صورتك إسمأززت منها لكونها لا تمت لمجتمعنا بصلة وقال لي مخي لا تقراء له من شكله تعرف أفكاره الغريبة لهذا يا سيدي لا يفلح الكتاب العرب ولا يقراء لهم المجتمع أنتم الكتاب تتعلقون بالثقافة الغربية وتهرولون وراء الغرب ليرضى عليكم دون التفكير في مجتمعكم . أما كتاب الغرب يكتبون لمجتمعهم لهذا يقراء لهم وانا حينما أريد ان أتأغرب على مجتمعي أدهب للاصل .

  • الطيب

    تابع ...أو سؤال آخر مثل : كيف نستغل ايجابيات بعضنا البعض لأجل بناء الإنسان الصالح و الناجح ؟ و هذا السؤال خلفيته أننا نتنابز بسلبياتنا عند اختلافنا ! رغم الإيجابيات الكثيرة التي تجمعنا و بالإمكان أن نصنع بها شيئًا جميلاً ....هذا الكلام كله لأجل التوحد و الإلتقاء لمناقشة " الإشكالية " ثم تسطير الهدف المتفق عليه ، حلقة أخرى في شكل جدلية " عقبة " و هي بين النخبة الثقافية و الفكرية من جهة و السلطة ! أيهما القاطرة !؟ و من الذي يصنع الآخر !؟ و كيف يكون التنسيق للوصول إلى الهدف المنشود و المسطر !؟

  • الطيب

    ألمانيا تبنت هدف " بناء إنسان ألماني جديد " ، بعدما تبلور هذا الهدف عند نخبة ألمانيا من مثقفين و مفكرين و ساسة لأجل الإنطلاق يعني تحقق أولى الخطوات و أصعبها و هي خطوة :" التوحد النظري أولاً لتحقيق هدف معين " ربما ساهم في نجاح هذا التكتل النخبوي الألماني الخروج المنكسر من الحرب .و نفس الأمر بالنسبة لليابان . نحن عندنا فكر و ثقافة و لكنها ذرات مبعثرة ! و بالتالي يلزمنا أولاً الإتفاق على سؤال الإشكالية كأن نطرح سؤالاً كبيرًا الغاية منه جمع الذرات أولاً مثل : لماذا تقدم غيرنا و نحن تأخرنا !؟

  • الجزائرية

    عصر التنويرهوالفترة التي سبقت انقلابات أوربا من الثورة الفرنسية إلى قيام الدولة الوطنية الحديثة مع الوحدتين الألمانية والإيطالية وتراجع الأنظمة الملكية الإقطاعية الفاسدةو ظهور الجمهوريات والملكية الدستورية.ورغم أن تاريخنا لن يكون نسخة من التاريخ الأوربي إلاأنه بإمكاننا أن نقول أن الفكر سابق لكل حركة تغيير واعية نحو الأفضل للنظم السياسية والمجتمعات.وبالتالي فدور النخب هوإنتاج الفكر التنويري للمجتمعات وعلى السلطة والحكم الإستنارة بهذا الفكر فالنخبة المثقفة هي من تقود قاطرة الحكم لكن بعيدا عن الحكم