الرأي

المجاهدة الحمراء‮ (❊)‬

العدو هو هو،‮ ‬وأهدافه هي‮ ‬هي،‮ ‬وما تغيرت إلا الوسائل ومنفذوها،‮ ‬ومن هذه الوسائل ما سمعناه من تدريس أبنائنا باللهجة العامية،‮ ‬لينتهي‮ ‬الأمر إلى ما خططه الفرنسيون عندما كانوا‮ ‬يحكمون الجزائر مباشرة؛ وهو أن‮ “‬العامية‮” ‬لا تصلح للتعليم،‮ ‬فهي‮ ‬قاصرة،‮ ‬وأن العربية الفصحى لغة‮ “‬أجنبية‮”‬،‮ ‬فلم تبق إلا‮ “‬الفرنسية‮”‬،‮ ‬مع إلغاء العلوم الإسلامية،‮ ‬واللغة العربية،‮ ‬والتاريخ من الباكالوريا‮!!!‬؟؟

يقول الشاعر مفدي‮ ‬زكرياء‮ – ‬رحمه الله‮ – ‬في‮ ‬إلياذته الخالدة،‮ ‬مشيدا بمن‮ ‬يستحقون الإشادة والتخليد،‮ ‬لا تملّقا لمن باعوا الجزائر،‮ ‬إشباعا لأطماعهم الخسيسة،‮ ‬وأغراضهم الدنيئة،‮ ‬لعدو الجزائر الدائم؛‮ ‬يقول مفدي‮:‬

وتذكر ثورتنا العارمة‮               ‬بطولات سيدتي‮ ‬فاطمة

يفجر بركانها جرجرا‮             ‬فترجف باريس والعاصمة

وخلّد باسم أمّها ذكره‮                   ‬فزكّى قداسته الدائمة

نسومر مذ نسبوك لتكلا‮          ‬رفضت التواكل‮ ‬يا فاطمة

وألهبت نارا تذيب الثلو‮            ‬ج،‮ ‬وتعصف بالفئة الظالمة

وارعفت راندون في‮ ‬كبره‮          ‬ودست على أنفه الرّاغمة

وصعرت للجنرالات خدّا‮            ‬فخابت نواياهم الآثمة

أتنسى الجزائر حوّاءها‮           ‬وأمجادها لم تزل قائمة؟

في‮ ‬مثل هذه الأيام من عام‮ ‬1857‮ ‬سطر أجدادنا الأماثيل في‮ ‬جرجرة صفحة من أمجد الصفحات ضد العدو الفرنسي‮ ‬اللئيم،‮ ‬وكيف لا‮ ‬يكون لئيما وخسيسا من أطعمته الطعام،‮ ‬وأنقذته من مسغبة؛ فإذا هو بدلا من أن‮ ‬يشكرك الشكر الجزيل،‮ ‬ويلهج بإحسانك الجميل؛ بدلا من ذلك‮ ‬يجزيك بالشر الوبيل؟ لن‮ ‬يفعل ذلك إلا من ليس له في‮ ‬المكرمات جلّ‮ ‬ولا قلّ‮…‬

إن هذه الصفحات المجيدة تميزت وامتازت بأن بطلتها‮ “‬امرأة‮” ‬أفضل من آلاف الذّكران،‮ ‬فاستحقت أن تدخل التاريخ وتُدعى‮ – ‬كما قال مفدي‮- “‬سيدتي‮ ‬فاطمة‮” ‬أي‮ “‬للاّ‮ ‬فاطمة‮”.. ‬فنقش اسمها في‮ ‬ذاكرة شرفاء الجزائر وشريفاتها،‮ ‬الذين لا‮ ‬يتهافتون،‮ ‬واللواتي‮ ‬لا‮ ‬يتهافتن على‮ “‬الرّيزيدانس‮” ‬في‮ ‬أرض عدوهم‮.. ‬كما‮ ‬يفعل‮ “‬مدّعو‮” ‬الجهاد والوطنية الذين حال الله بينهم وبين قلوبهم،‮ ‬ففقدوا الإحساس بالشرف والشعور بالكرامة،‮ ‬متخذين من كلمة‮ “‬مجاهد‮” ‬سجلا تجاريا‮ ‬يخادعون به الله ورسوله والذين آمنوا‮..‬

كانت فرنسا ممثلة في‮ ‬ماريشالها راندون،‮ ‬ومساعديه من الجنرالات،‮ ‬تريد اكتساح جرجرة العظيمة وإخضاع رجالها الأشاوس،‮ ‬واستهل راندون مخططه بتأسيس قلعة،‮ ‬رمزا للجبروت الفرنسي،‮ ‬فوضع حجر الأساس لتلك القلعة التي‮ ‬سماها‮ “‬قلعة نابليون‮” ‬التي‮ ‬صارت تسمى‮ “‬فور ناسيونال‮”‬،‮ ‬وقد‮ “‬بارك‮” ‬ذلك التأسيس رمز الصليبية الفرنسية‮ “‬أبوهم‮” ‬سوشي‮..‬

كانت فتاة شابة تسمى فاطمة نسومر‮- ‬نشأت في‮ ‬بيت دين،‮ ‬وعفاف،‮ ‬وجهاد‮- ‬تراقب ما‮ ‬يقوم به الفرنسيون،‮ ‬الذين لا‮ ‬يرقبون في‮ ‬مؤمن إلاّ‮ ‬ولا ذمّة،‮ ‬وتلاحظ ما‮ ‬يقوم به المجاهدون في‮ ‬المنطقة،‮ ‬فآلت على نفسها أن تؤدي‮ ‬واجبها الشرعي‮ ‬في‮ ‬الدفاع عن الإسلام،‮ ‬وعن داره‮.. ‬وعن قومها‮.‬

لم تلق فاطمة المعاذير،‮ ‬ولم‮ ‬يحل بينها وبين الجهاد لا قلة جندها ولا كثرة عدوها،‮ ‬ولم‮ ‬يمنعها من الجهاد لا قلة عتادها ولا كثرة عتاد عدوها،‮ ‬ولا عدم خبرتها بالحرب وأساليبها وتمرّس عدوها بذلك‮.. ‬فالأمر في‮ ‬الأخير إنما هو انتصار‮ ‬يشفي‮ ‬صدور المؤمنين؛ أو استشهاد‮ ‬يرضي‮ ‬رب العالمين‮.. ‬وليس للعدو شيء من ذلك؛ فإن انتصر فإنما هو انتصار كثرة على قلة لا تملك شيئا من أسباب النصر المادية،‮ ‬وإذن فلا مجد فيه؛ وإن انكسر فإنما هو خزي‮ ‬مضاعف،‮ ‬لأنه انكسار أمام‮ “‬امرأة‮” ‬تقود عشرات من المجاهدين لا‮ ‬يملكون لقيمات‮ ‬يقمن أصلابهم‮.. ‬وقارنوا بين‮ ‬7000‮ ‬مجاهد وبين‮ ‬45000‮ (‬خمسة وأربعين ألفا من الجنود‮).‬

لقد أذاقت المجاهدة‮ “‬للاّ‮ ‬فاطمة‮” ‬ماريشال فرنسا وستة من جنرالاتها وآلافا مؤلفة من جنودها ما استطاعت إليه سبيلا،‮ ‬خاصة في‮ ‬معركة إيشرّيضن‮. ‬التي‮ ‬وقعت في‮ ‬24‮ ‬جوان‮ ‬1857،‮ ‬التي‮ ‬قتل فيها من الفرنسيين ما جعل الوالي‮ ‬العام الفرنسي‮ ‬جول كامبون‮ ‬يقيم نصبا تذكاريا لقتلى فرنسا في‮ ‬تلك المعركة‮…‬

قدر الله أن تقع المجاهدة فاطمة ـ وهي‮ ‬مرتدية لباسا أحمر رمزا للدماء الشريفة الطّاهرة،‮ ‬مقبلة‮ ‬غير مدبرة ـ أسيرة في‮ ‬أيدي‮ ‬الأعداء‮.. ‬وظلت أسيرة إلى سنة‮ ‬1863‮ ‬بمنطقة تابلاط،‮ ‬حيث توفاها الله‮.. ‬وهي‮ ‬في‮ ‬ريعان شبابها،‮ ‬حيث أبصرت عيناها الدنيا في‮ ‬1830‮ ‬سنة ابتلاء الجزائر بهذه‮ “‬الرّاسة‮” ‬المسماة فرنسا‮. ‬التي‮ ‬لايريد‮ “‬بعضنا‮” ‬أن نتخلص منها‮..‬

رحمك الله‮ ‬يـ‮ “‬للاّ‮ ‬فاطمة‮”‬،‮ ‬ورحم والدتك‮ “‬للاّ‮ ‬خديجة‮”‬،‮ ‬ومن من نساء العالمين من هن في‮ ‬مكانة خديجة وفاطمة في‮ ‬الأولين؟ ومن منهنّ‮ ‬في‮ ‬مكان خديجة وفاطمة في‮ ‬الآخرين؟

سيقول السفهاء منها‮: ‬لماذا تحيون هذه الأمور،‮ ‬ونحن‮ – ‬الجزائر وفرنسا‮ – ‬في‮ “‬شهر عسل‮” ‬كما قال جاك لانغ؟

نحن لا نوجه كلامنا إلى هؤلاء الخشب المسندة؛ ولكننا نوجهه إلى أبنائنا أحفادنا حتى لاينسوا جرائم فرنسا في‮ ‬الجزائر،‮ ‬وحتى لا‮ ‬ينسوا أن هناك في‮ ‬فرنسا‮ “‬رؤوسا‮” ‬لمجاهدينا في‮ ‬متاحفهم‮.. ‬وحتى‮ ‬يواصلوا عملية استكمال استقلال الجزائر،‮ ‬خاصة أن العدو هو هو‮ ‬،‮ ‬وأن أهدافه هي‮ ‬هي،‮ ‬وما تغيرت إلا الوسائل ومنفذوها،‮ ‬ومن هذه الوسائل ما سمعناه من تدريس أبنائنا باللهجة العامية،‮ ‬لنتهي‮ ‬الأمر إلى ما خططه الفرنسيون عندما كانوا‮ ‬يحكمون الجزائر مباشرة؛ وهو أن‮ “‬العامية‮” ‬لا تصلح للتعليم،‮ ‬فهي‮ ‬قاصدرة،‮ ‬وأن العربية الفصحى لغة‮ “‬أجنبية‮”‬،‮ ‬فلم تبق إلا‮ “‬الفرنسية‮”‬،‮ ‬مع إلغاء العلوم الإسلامية،‮ ‬واللغة العربية،‮ ‬والتاريخ من الباكالوريا‮!!!‬؟؟‮ (‬الشروق‮.. ‬29‮ ‬‭/‬‮ ‬7‮ ‬‭/‬‮ ‬2015‮).‬

ورحم الله شاعرنا محمد العيد آل خليفة الذي‮ ‬يبدو أنه تنبأ بما نحن فيه إذ‮ ‬يقول‮: (‬الديوان‮: ‬240‮)‬

أزرى بنا الذل‮ ‬يا خليلي‮    ‬فهل إلى العز من سبيل؟

بلادنا أصبحت ذلولا‮         ‬أسيرة في‮ ‬يد الدخيل

وحكمنا اليوم شرّ‮ ‬حكم‮      ‬وجيلنا اليوم شرّ‮ ‬جيل

متى نرى قائدا حكيما‮       ‬يبين عن رأيه النبيل

أنرتجي‮ ‬للهدى وصولا‮       ‬ونحن ركبّ‮ ‬بلا دليل

لكن سنسعى برغم هذا‮      ‬لرد سلطاننا الجليل

لا تحسبوا رده بعيدا‮         ‬فإنه‮ ‬غير مستحيل

‮❊) ‬لا أقصد بالحمراء من سميت‮ “‬الحميراء‮”‬،‮ ‬ولا أقصد‮ “‬التروتسكية‮” ‬فكلتاهما لا تؤمن بالجاهد بسبب إيدولوجيتهما‮.‬

مقالات ذات صلة