المجاهد قدور زرق العين… شاهد على ملاحم الونشريس
يعد المجاهد قدور زرق العين، المدعو “حميد”، أحد الشهود على مسار الثورة التحريرية وملاحم الكفاح المسلح بجبال الونشريس بولاية تيسمسيلت، حيث خاض تجربة نضالية تولى خلالها مهام تنظيمية وميدانية، وشارك في عدد من المعارك والاشتباكات التي شهدتها المنطقة. وهي التجربة التي وثّقها المؤرخ الدكتور لخضر سعيداني، أستاذ التاريخ بجامعة تيسمسيلت، في مؤلف بعنوان “مذكرات المجاهد زرق العين قدور”.
وأوضح الدكتور لخضر سعيداني، في تصريح لـ”الشروق”، أن إصرار المجاهد قدور زرق العين، رغم تقدمه في السن، على تدوين مذكراته واستحضار تفاصيل تجربته النضالية، كان دافعا أساسيا لإنجاز هذا المؤلف، الذي يضاف إلى الجهود الرامية إلى حفظ الذاكرة التاريخية للثورة التحريرية وتسليط الضوء على مسار الكفاح بمنطقة الونشريس، لاسيما بالناحية الأولى من المنطقة الثالثة للولاية التاريخية الرابعة.
وأبرز في السياق ذاته، أن شهادة المجاهد قدور زرق العين تكتسي أهمية خاصة في توثيق تاريخ الثورة بمنطقة الونشريس، بالنظر إلى ما تتضمنه من تفاصيل عن مسار الكفاح المسلح بالناحية الثالثة من الولاية التاريخية الرابعة، وما عرفته المنطقة من معارك ومواقف نضالية ساهمت في صناعة ملحمة الاستقلال. كما يمثل مساره، حسب المصدر ذاته، أنموذجا لما يعرف بـ”عصاة الشرف”، بالنظر إلى الظروف التي قادته إلى مغادرة سلطة المستعمر، ثم الاندماج في صفوف الثورة التحريرية والمساهمة في نشاط جيش التحرير الوطني.
وكشف أستاذ التاريخ سعيداني أن المجاهد قدور زرق العين، المولود بتاريخ 4 فيفري 1930، لم يكن التحاقه بمسار الجهاد نتيجة عملية تجنيد تقليدية، بل جاء عقب حادثة شكّلت منعطفا في حياته، إثر مناوشة مع أحد حراس الغابات الفرنسيين، انتهت باستيلائه على سلاحه ووثائقه الرسمية، وهي الحادثة التي ترتب عنها صدور حكم غيابي في حقه بالسجن لمدة 06 سنوات، ما دفعه إلى اللجوء إلى الجبال والابتعاد عن سلطة الاستعمار.
وتندرج هذه التجربة ضمن ما وصفه المؤرخون بـ”عصاة الشرف”، وهم رجال تمردوا على الإدارة الاستعمارية بفعل مواقف وأحداث دفعتهم إلى الخروج عن سلطتها، قبل أن يلتحق بعضهم بالثورة المسلحة. ولم يطل ابتعاد المجاهد حميد عن التنظيم الثوري، إذ قادته الظروف إلى الالتقاء بالقائد الجيلالي بونعامة، المدعو “سي محمد”، أحد أبرز قادة الثورة بمنطقة الونشريس ورموز الولاية التاريخية الرابعة، الذي كلفه بمهمة تخزين السلاح، لتكون تلك الخطوة بداية اندماجه الفعلي في العمل الثوري والتحاقه بصفوف جيش التحرير الوطني ضمن المنطقة الثالثة من الولاية التاريخية الرابعة.
ومع تطور نشاطه داخل التنظيم، انتقل دوره من المهام اللوجستية المرتبطة بحفظ السلاح وتأمينه إلى مسؤوليات ميدانية وتنظيمية، حيث أوكلت إليه مهمة التنسيق بين النقاط الثورية، قبل أن يتولى مسؤولية محافظ بمنطقة أولاد عمار، وهي مهام عكست حجم الثقة التي حظي بها داخل جبهة التحرير الوطني، ومساهمته في ضمان التواصل بين مختلف عناصر الثورة وتأمين نشاطها بالمنطقة. كما كلف بمهمة خاصة بناء على تعليمات القائد الجيلالي بونعامة، في إطار مسؤولياته ضمن جيش التحرير الوطني.
وأكد سعيداني لخضر أن المجاهد قدور زرق العين شارك في عدد من المعارك والاشتباكات التي شهدتها جبال الونشريس إلى جانب رفاق السلاح، لاسيما معركة “قرعة موت”، الواقعة بالقرب من منطقة باب البكوش التاريخية ببلدية لرجام، والتي تعد من المحطات المبكرة للمواجهة المسلحة بالمنطقة. وقد جرت هذه المواجهات في ظروف صعبة، وسط تضاريس جبلية وعرة وإمكانات محدودة، مقابل إصرار المجاهدين على مواصلة المقاومة إلى غاية تحقيق النصر.
ويرى المؤرخ سعيداني أن شهادة المجاهد قدور زرق العين تبقى تجربة نضالية حية تستحضر جانبا من تاريخ الثورة التحريرية بجبال الونشريس، وتسلط الضوء على مسار رجال انتقلوا من حياة بسيطة في الجبال إلى ميادين الكفاح المسلح، ليكونوا جزءا من ملحمة استرجاع السيادة الوطنية.
كما أبرز في السياق نفسه، على أهمية توثيق شهادات المجاهدين ونقلها إلى الأجيال الصاعدة، حفاظا على الذاكرة الوطنية وتضحيات صناع الاستقلال، منوها أن عظمة الثورة التحريرية لا تكمن فقط في الانتصارات العسكرية التي حققها جيش التحرير الوطني، وإنما أيضا في قدرتها على توحيد الجزائريين حول قضية التحرر، وتحويل التضحية إلى مسؤولية جماعية شارك فيها المجاهدون والمسبلون والمسبلات وسكان القرى والمداشر.