الرأي

المجتمع السعودي صراع وأجيال !! (3)

التهامي مجوري
  • 4406
  • 20
الأرشيف

مرحلة الصدام وهي المرحلة التي برز فيها التوجه الإصلاحي لبعض الشباب الذي لم يعد يرضيهم خطاب شيوخ هيئة كبار العلماء، وهي الفترة الممتدة ما بين 1982/2015 في ظل حكم الملك فهد، والملك عبد الله.

وطبيعة النظام السعودي الممركزة بيد الملك، لا تسمح باجتهاد من خارجه بما في ذلك الإجتهاد في الجانب الديني، الذي هو مهمة المؤسسة الرسمية المتمثلة الآن في هيئة كبار العلماء وأصولها المستمدة من منهج آل الشيخ.

وميلاد حركة الإصلاح في نظر السلطة تمثل خروجا عن طبيعة النظام، فهي تطالب بما لم يطالب به السياسيون والعلماء من الرسميين. في هذا الجو التنافري ولد الصدام بين هؤلاء الشباب الذين عبروا عن آرائهم بعرائض مطلبية وبكتابات صحفية وبخطب ومحاضرات في المساجد والجامعات فوقع الصدام، فكانت حملات الاعتقال والمطاردة وقد كانت بداياته قبل ذلك بكثير ولكنها كانت في حكم الشاذ، وهي الصورة الأعنف على الإطلاق في سنة 1979/1980، بحركة جهيمان العتيبي الذي احتل الحرم المكي، أما باقي الفئات الإصلاحية وإن صادمت السلطة بخطابها أو صدمت بها، فقد كانت نتيجة نمو طبيعي لحركة المجتمع، يغلب عليها الطابع السلمي والانشغال بالإصلاح الثقافي الفكري الديني السياسي. والجهة الرافضة دائما كانت السلطة، ولكن رفضها في الغالب كان باحتشام، والسبب في ذلك أن جماعة الإصلاح الديني أمثال سفر والعودة والعريفي والعواجي…، لم تستجب لاستفزازاتها، وإنما ناضلت وفق منهجية “عدم منازعة الأمر أهله”، ومن غير سكوت على الحق في كلياته، ولذلك وجدنا مثل سلمان العودة يقضي خمس سنوات في السجن، ويعود إلى النشاط كأن لم يكن شيء؛ بل يجرؤ على إنشاء المؤسسات: كإنشائه موقع الإسلام اليوم، وإصداره الكتب، وإعداد البرامج الإعلامية المتنوعة، كما شارك في الهيئات الدولية، وفي كل ذلك يلمس المتابع منهجية هادئة في صناعة الرأي وتطوير الخطاب الذي فقدت السلطة جوهره ولم يبق له منه إلا الأشكال. على خلاف جماعة الإصلاح السياسي كسعد الفقيه ومن معه، فقد كان ولا يزال خطابهم أعنف وأشد؛ لأن مجال نضاله هو النشاط السياسي الذي يرفض نظام الحكم جملة وتفصيلا، وعلى هامش هاتين الكتلتين، هناك تيار جهادي من بقايا القاعدة كخلايا نائمة، ربما هي امتداد لحركة جهيمان أو من أتباع أسامة بن لادن، أو تربوا على خطاب الحركة الوهابية التقليدي المؤدي حتما إلى هذه النتائج… وقد شهدت المملكة العربية السعودية الكثير من الأحداث العنيفة الدامية خلال هذه الفترة ومنها تفجيرات “الخُبَر”.

السبب في تقديري في هذا الصدام، هو تخلف المؤسسة الدينية عن الركب الإنساني في خطابها الشرعي والدعوي، وعدم انفتاح المؤسسة السياسية على المجتمع السعودي بالقدر الكافي، فولد ذلك رفضا اجتماعيا سياسيا، ولد مع هذه الحركة الإصلاحية التي رفضتها السلطة لتقع في مشكلة أعمق وأخطر على المجتمع السعودي وهو المأزق الذي تعيشه السعودية هذه الأيام.

المأزق السعودي

المملكة العربية السعودية تعيش اليوم مأزقا حقيقيا، ظهر في شكل جيل واجِهَتُهُ الرسمية “محمد بن سلمان”، الذي تجرأ على فعل ما لم يفعله غيره من آل سعود، على الأقل فيما يتعلق بالشأن الديني، فعرض خياره السياسي وخطته الاقتصادية المعروفة بين السعوديين بمشروع 2030، بتهميش كامل لعلماء المؤسسة الدينية الرسمية، وهذا الخيار السياسي الاقتصادي الذي من بين منتجاته أزمة التوجه السياسي الجديد في القضية الفلسطينية، وفي التدخل في اليمن وفي الأزمة القطرية الخليجية، وفي الداخل السعودي يتكلم المتابعون للشأن السعودي عن أزمة داخل الأسرة الحاكمة، يضاف إليها انتقال السلطة من جيل أبناء الملك عبد العزيز إلى جيل أحفاده وهو جيل آخر مختلف، وهناك معارضة متمثلة في حركة الإصلاح التي تكلمنا عنها وأخرى لم نتكلم عنها وهي كتلة اللبيراليين بجميع فئاتهم السياسية الاقتصادية والحقوقية والأدباء والمثقفين.

والمأزق الأعمق الذي يعانيه المجتمع السعودي اليوم يتمثل في الحملة الدولية عليه، في صورة الهجوم على نظامه السياسي، بينما الحقيقة هي حملة على الكل الاجتماعي السعودي وليس على نظامه السياسي فحسب، ولذلك لم نر قوة دولية دعمت الحركة الإصلاحية أو السياسية المعارضة، وإنما تتكلم دائما عن واقع سعودي، لا تفرق فيه بين النظام السياسي الذي لا يختلف عن غيره من الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي، وبين الإصلاحيين الذي يرفضهم النظام.

وأهم محاور هذه الحملة كانت ولا تزال في الهجوم على الحركة الوهابية، بحيث أقتنع كل العالم أن الحركة الوهابية هي النظام السياسي، في حين أن الوهابية في حقيقتها ليست إلا مجموعة كغيرها من الجماعات التي نشأت في العالم الإسلامي، كالإخوان في مصر، وجمعية العلماء في الجزائر، والسنوسية في ليبيا، والمهدية في السودان…إلخ، والفرق بينها وبين غيرها من هذه الحركات، أن الوهابية دخلت في تحالف مع السلطة على خلاف غيرها، وهذا التحالف لم يسمح بالاستحواذ السلطوي الكلي على الوهابية وإنما وظف بعض أطرافها؛ والبعض الذي لم يروض ولم يتبن خطاب السلطة هو الآن في صفوف المعارضة الإصلاحية والسياسية، ومن لم يمثل المعارضة هو في حكم الساكت.

وقد انبنى على هذه التعبئة المعادية للوهابية التي لم تفرق بين السلطة والمعارضة، اتهام السلطة السعودية بأنها وراء أحداث 11 سبتمبر 2001 التي تبنتها القاعدة، واستثمرت التهمة في المطالبة بتعويض الضحايا الأمريكان الذي تضرروا من أحدا 11 سبتمبر…، واتهمت أيضا أنها من وراء القاعدة وداعش، وتمويل بعض الحركات الإسلامية في العالم، وهذا التركيز على النيل من الدولة السعودية والإتهام المتتابع في كل ما هو انحراف ديني في العالم يهدد المجتمع السعودي بتفكيك التحالف الديني السياسي أو على الأقل توظيفه بما يؤيد السلطة، ومن ثمار هذا التوجه خطبة الشيخ سعد الشتري في عرفة، وموقف بعض شيوخ هيئة كبار العلماء الداعم للسلطة في الأزمة الخليجية المعادية، تصريح الشيخ عبد الرحمن السديس، الذي اعتبر أن المملكة والولايات المتحدة هما اللذان يقودان العالم إلى السلام.

والسلطة السعودية بدلا من أن تصحح هذا المسار الديني الذي نبه إلى أخطائه بعض الإصلاحيين، تشبثت بالموروث على أنه هو الصحيح، ربما لسهولة استعماله، وصمت آذانها عن كل خطاب ديني من خارج المؤسسة، وهذا ما جعل السلطة هذه المرة في حملتها الأخيرة على الدعاة، لا لشيء إلا لأنهم لم يكن لهم موقف في الفتنة الخليجية؛ لأنهم ليست مشكلات حقيقية وإنما هي أوهام.  

فتت هيئة العلماء الانتباه إبان الأزمة الخليجية وحصار دول السعودية والإمارات والبحرين لدولة قطر في يونيو/حزيران 2017، بإعلانها أن “من ينتمي إلى ولاءات سياسية خارجية خرج عن مقتضى البيعة الشرعية”، موضحة أنه “يجب الأخذ على يده، صيانة لوحدة الصف والكلمة”.

وقال رئيس الهيئة المفتي العام للسعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ إن السعودية “بلد إسلامي مستقيم، وإنها ممولة للخير أينما وجد”، مضيفا أن “القرارات الأخيرة التي اتخذتها السعودية وعدد من الدول ضد قطر فيها مصلحة للمسلمين ومنفعة لمستقبل القطريين أنفسهم”، فهي قرارات “مبنية على الحكمة والبصيرة وفيها فائدة للجميع”.

 كما كشفت الهيئة خلال الأزمة عن موقفها من جماعة الإخوان المسلمين، وقالت “ليس لهم عناية بالعقيدة ولا بالسنة، ومنهجهم قائم على الخروج على الدولة؛ إن لم يكن في البدايات، ففي النهايات”.

وعلى صفحتها بموقع تويتر أضافت الهيئة أن “الإخوان حزبيون يريدون الوصول إلى الحكم، ولا يهتمون بالدعوة إلى تصحيح العقيدة”، وتابعت أن “الإخوان ليسوا من أهل المناهج الصحيحة”، مشيرة إلى أنه “ليس في الكتاب والسنة ما يبيح تعدد الأحزاب والجماعات، بل فيهما ما يذم ذلك”.

مقالات ذات صلة