منوعات
"آمال" و"الثقافة" و"الأصالة" وغيرها توقفت في صمت

المجلات الثقافية بالجزائر تفتقر للاستقرار والاستمرار

صالح سعودي
  • 727
  • 0
أرشيف

صالح سعودي
يتساءل الكثير من المبدعين والنقاد والمهتمين عن أسباب افتقاد الجزائر مجلات ثقافية وأدبية ونقدية تواكب مستجدات المشهد الإبداعي، حيث أجمع الكثير بأن المحيط الأدبي والثقافي في الجزائر يتسم بالثرثرة لكنه يفتقد لسان حال، بدليل أن الجزائر ورغم ثقلها وماضيها التاريخي والثقافي لا تزال تفتقد إلى منابر إعلامية متخصصة ثقافيا، ناهيك عن حرمانها من مجلة ثقافية تتسم بالاستقرار والاستمرار، على غرار ما هو حاصل في مختلف البلدان العربية والغربية.
إذا كانت الملاحق الأدبية والثقافية في الجزائر تعد على أصابع اليد الواحدة، فإن المجلات الأدبية والثقافية أصبحت في حكم الماضي، خصوصا وأن العديد من العناوين لم يتسن لها الصمود، فتوقفت في منتصف الطريق لأسباب مالية أو تسييرية، أو بسبب غياب إستراتيجية فعالة تضمن لها الاستمرارية، ما حال دون تكريس نماذج شبيهة مجلة “العربي” الكويتية التي يزيد عمرها عن نصف القرن. وقد كانت مجلة “انزياحات” آخر تجربة فاشلة في أجواء سادها الكثير من الجدل، وأعاد إلى الأذهان مجلات سابقة قدمت الكثير في السبعينيات والثمانينيات لكنها توقفت في صمت مع مطلع التسعينيات، مثل “آمال” و”الثقافة” و”الأصالة” وغيرها من المجلات التي تركت أثرا طيبا منذ مطلع السبعينيات حتى نهاية الثمانينيات، على غرار مجلة “أمال” التي كانت تعنى بأدب الشباب، وساهمت في بروز وجوه أدبية عبد الملك مرتاض وجميلة زنير وسليمان جوادي وأمين الزاوي وواسيني الأعرج وعز الدين ميهوبي والقائمة طويلة، والكلام ينطبق على مجلة “الثقافة” التي كانت تصدر عن وزارة الإعلام والاتصال بالجزائر، وكذا مجلة “الأصالة” الصادرة عن مديرية الشؤون الدينية، ومجلة “التربية” لسان حال مديرية التربية، كما كانت لبعض الهيئات جهود في إصدار مجلات منحت إضافة مهمة، على غرار مجلة “الرؤيا” الصادرة عن اتحاد الكتاب الجزائريين، ومجلة التبيين عن جمعية الجاحظية التي أسسها الروائي الراحل الطاهر وطار، قبل أن تغيب مختلف هذه العناوين من الساحة في صمت.

بوعديلة: المجلات ضحية غياب الرؤية الاستشرافية
يرجع الدكتور وليد بوعديلة (أستاذ الدراسات الثقافية بجامعة سكيكدة) هذه المشكلة إلى عدم وجود مخطط استراتيجي ثقافي في المؤسسات المشرفة على الثقافة والفنون عندنا، حيث قال في هذا الجانب: “للأسف، توقفت الكثير من المجلات والمبادرات التي ظهرت مركزيا أو محليا، ليس لعدم وجود الطاقات الإبداعية والفكرية، وإنما لغياب التحفيز والدعم، للمبدع أو الكاتب المساهم في المجلة، وللمشرف على إدارة إعدادها وتقديمها للقارئ، رغم أن هذا هو من قبيل التسويق الثقافي والفني للوطن.. عربيا ودوليا”، وتساءل محدثنا بالقول: “أين هي مجلات وزارة الثقافة، وآخرها مجلة انزياحات؟! فالكثير من الكتاب يشتكون من عدم حصولهم على أعداد مجلات ثقافية نشرت أعمالهم؟ لدرجة أنني شخصيا كنت أتحصل على مجلة عمان الثقافية في مسكني بعزابة وسكيكدة، قادمة من الأردن، بينما أنني نشرت مقالا في مجلة الثقافة ولم أعرف إلا من الزملاء ولم أحصل على العدد؟!”، وختم الدكتور وليد بوعديلة كلامه بالقول: “نأمل أن تتغير الرؤية ويتبادل التخطيط الثقافي… بخاصة في ظل وجود شباب يمتلك الخبرة والرغبة في العمل الثقافي في المؤسسات الثقافية وفي المجتمع المدني محليا ووطنيا”.

علاة كوسة: الفراغ الرهيب تتحمله وزارة الثقافة وبقية الدوائر الرسمية
من جانب آخر، يؤكد الدكتور علاوة كوسة (شاعر وباحث أكاديمي) أن المجلّات الثقافية تعد واجهة الأمم والمؤسسات الثقافية الكبرى، وبطاقاتِ تعريف للهوية الوطنية بكل تنوعاتها وثرائها الثقافي الثمين؛ لكنّ حسب قوله “ساحتنا الثقافية الجزائرية تفتقر إلى هذا التقليد الثقافي، وتفتقر إلى مجلات ثقافية وازنة في مستوى ثقافة هذا البلد بتاريخه وعراقته ومثقفيه الذين ملئوا المجلات الثقافية العربية إشعاعًا ثقافيًا بكتاباتهم وشغلوا القراء فيها بمساهماتهم، ولكنهم ميتّمون دون مجلة ثقافية بارزة في بلد الثقافة والمثقفين!!”.
وقال علاوة كوسة في سياق حديثه: “لا ننفي أن هناك مجلات عاشت حينا من الدهر وأرّخت للحركة الثقافية الجزائرية مثل مجلة (آمال)، لكن نتأسف لتوقفها أو توقيفها (والمرارة سواء)”، مضيفا أنه ورغم محاولات بعث مجلات ثقافية، إلا أنها لم تكن لتصمد أكثر من صدور أعداد قليلة جدا! معبرا عن حيرته كيف أن وزارة الثقافة لا تهتم لهذا الأمر، “وكأنّ بنا مسّا من اللعنة الثقافية من حيث المجلات”، مشيرا بالقول “لا نستغرب من مؤسسات غير ثقافية أن تهمل هذا الجانب، ونحن نرى مديريات ثقافة ولائية ومكتبات وطنية وولائية تفتقد إلى مجلة ثقافية تحفظ ماء الثقافة في هذا البلد !”. وأكد علاوة كوسة أن المسؤولية في كل هذا الفراغ الرهيب من حيث المجلات الثقافية تتحملها الدوائر الرسمية، ووزارة الثقافة حصرًا، بكل مؤسساتها، مؤكدا بالقول “وإن لم نجد لأنفسنا مجلات وطنية بأقلام جزائرية فإنّ هذا تقصير منا وجب تداركه في القريب، بصرامة ووعي ومسؤولية”.

سليمان جوادي: هذه تجربتي مع المجلات الثقافية وهذا ما يجب القيام به
كان للشاعر المبدع سليمان جوادي حظ الاشتغال في المجلات التابعة لقطاع الثقافة مثل “ألوان” و”آمال” و”الثقافة”، حيث يقول للشروق “بدأت محررا متعاونا ثم محررا ثم سكرتير تحرير بمجلة ألوان التي كان أنشأها وأدارها محمد بلقاسم خمار وترأس تحريرها المرحوم عمر البرناوي، ثم نائبا لرئيس تحرير مجلة الثقافة التي أسسها أحمد طالب الإبراهيمي وكان مدير نشرها وقتئذ المرحوم عبد المجيد مزيان ويرأس تحريرها الأستاذ عثمان شبوب، كما كنت عضو هيئة تحرير مجلة آمال مع كل من حمري بحري ومحمد زتيلي وأمين الزاوي برئاسة تحرير كل من عبد العالي رزاقي ومحمد الصالح حرز الله والإشراف الفني للفنان الكبير محمد الطاهر ومان تحت سلطة وإشراف المرحوم الدكتور محمد سعيدي الذي كان يشغل منصب مدير الفنون والآداب بوزارة الثقافة آنئذ..”.
ويرجع الشاعر سليمان جوادي مشكل هذه المجلات “أنها خلقت من دون هيكل تنظيمي يضمن استمرارها، لذا خضعت جميعها إما للنوايا الحسنة المخلصة أو للسلطة التقديرية لمن هم على رأس الوزارة”، وهذا حسب محدثنا لا يكفي ما لم تؤسس هيئة تابعة للوزارة مكلفة بالمنشورات التابعة لها تتمتع باستقلالية مادية، وهو الأمر الذي كان ينوي القيام به المرحوم عبد المجيد مزيان حين وضع الأستاذ عبد القادر بن دعماش متصرفا إداريا على المجلات الثلاث، لكن التعديل الحكومي وقتها لم يمهله.. وأكد الأستاذ سليمان جوادي أنه علينا التفكير بجد في كيفية ضمان استمرارية المجلات الثقافية، متمنيا أن تؤخذ ملاحظته هذه بعين الاعتبار من طرف من يفكر في إنشاء مجلة ثقافية.

مقالات ذات صلة