الرأي

المجمع الجزائري للغة العربية: إنتاج وفِير وجُهد دَؤوب…

يواصل المجمع الجزائري للغة العربية تأكيد حضوره العلمي والثقافي في الساحة الجزائرية والعربية، عبر سلسلة من الأنشطة الثقافية والفكرية والإصدارات النوعية التي جعلته واحدًا من أكثر الهيئات الأكاديمية نشاطًا خلال السنتين الأخيرتين في البلاد.

فقد شهدت الفترة الممتدة من 2024 إلى 2025 حركية لافتة تمثلت في إصدار خمسة عشر مؤَلَّفا جديدًا في مجالات متنوعة، إلى جانب استمرار صدور المجلة نصف السنوية التي أصبحت فضاءً بحثيًا للدارسين.

إنتاج وفير
هذا الإنتاج العلمي الغزير ليس عملا عشوائيًا ولا مجهودًا فرديًا، وإنما هو نتيجة مباشرة للنظام الداخلي الدقيق والمثابرة اليومية التي يقوم عليها المجمع. ففضلا عن وحدة البحث، يضم المجمع خمس لجان فاعلة تُسهم في توسيع دائرة العمل العلمي وتدعيم جهود المجمع، وهي: لجنة المعاجم وإقرار المصطلحات وألفاظ الحضارة والترجمة، ولجنة المخطوطات وإحياء التراث، ولجنة النهوض باللغة العربية نحو مجتمع المعرفة، ولجنة قضايا الاستعمال اليومي للغة العربية، ولجنة الترجمة. ومن المعلوم أن هذه اللجان لا تجتمع بشكل موسمي، بل تعقد كل منها اجتماعات عن بعد (لربح الوقت واقتصاد المال) مرتين على الأقل خلال كل شهر. ويُخصّص كل اجتماع لحوصلة العمل ومراجعة الإنجاز وبرمجة الخطوات الموالية.
وبهذا الصدد، لاحظ العديد من المشاركين في المؤتمر السنوي للمجمع هذه الحركية التنظيمية، واعتبروا أن المثابرة والانتظام هما السرّ الحقيقي وراء قدرة هذه الهيئة على إنتاج هذا الكمّ من المعارف، وعلى المضي قدمًا في مشاريع لغوية كبيرة تحتاج إلى نفس طويل وتعاون جماعي متواصل.
أما على صعيد الإصدارات، فقد عكس تنوعها اتساع رؤية المجمع وحرصه على الجمع بين التراث والحداثة إذ توزعت الكتب المنشورة تباعا بين أعمال في التأصيل اللغوي والدراسات اللسانية المعاصرة والتحقيقات التراثية. وهذا إضافة إلى إصدار سلسلة من الترجمات العلمية في اللغة والتعليمية والعلوم والتكنولوجيا يهدف المجمع من ورائها إلى ربط اللغة العربية بالمعارف الجديدة وتعزيز حضورها في حقول عديدة علمية وأدبية وتراثية.
ويبرز من بين المشاريع الكبرى التي يعمل عليها المجمع حاليًا مشروع معجم الجزائر المعاصر، وهو مشروع وطني واسع يسعى إلى توثيق الفصيح من اللهجات الجزائرية، وتحليل خلفياتها الدلالية والاجتماعية والثقافية، ومن شأن ذلك أن يتيح فهمًا أدق لتنوع وثراء اللغة العربية في المجتمع الجزائري المعاصر. كما يتواصل العمل على مشروع معجم الألفاظ المهاجرة من فرع علمي إلى آخر، وهو عمل مبتكر يتناول انتقال المصطلحات عبر العلوم وتحولات معناها ومجالات استخدامها في ظلّ تزاحم المعارف وتقاطعها الكثيف في هذا العصر.

المؤتمر السنوي الثاني للمجمع
نظم المجمع مؤتمره السنوي الثاني ما بين 9 و 11 ديسمبر بالعاصمة. واستهلّ اليوم الأول (9 ديسمبر) بجلسة احتفائية خُصصت للتقديمات والتكريمات ومنح جائزة المجمع حيث كُرّم عدد من الشخصيات العلمية التي أسهمت في خدمة اللغة العربية والبحث العلمي، وهم: الأساتذة عبد الله بوخلال (أدب)، وعبد الرزاق قسوم (فلسفة)، ونصر الدين سعيدوني (تاريخ)، ومحمد السعيد مولاي (رياضيات). كما مُنحت جائزة مجمع اللغة العربية لسنة 2025 في مجال الإبداع الروائي للكاتب محمد بن زخروفة تقديرًا لإسهامه الأدبي المتميّز، المتمثل في روايته “قِيامَة المهمَّشين”. وقد استُقبل هذا التتويج بترحيب واسع لما يحمله من اعتراف بجهود هذا الروائي في خدمة اللغة العربية والمجتمع بأدبياته. ومن المعلوم أنّ الجوائز في المجالات الثلاثة: “العلوم والتكنولوجيا”، و”التأليف في علوم اللغة العربية”، و”تحقيق المخطوطات” قد حُجِبت هذا العام. ويبدو واضحًا أنّ السبب في ذلك يعود إلى قلّة عدد المترشّحين، نتيجة ضعف انتشار الإعلان عن الجائزة وقِصَر المدّة المخصّصة لإرسال الأعمال.
وفي اليومين الموالين للمؤتمر جاءت فعاليات الملتقى العلمي الذي خصص لـ”جهود علماء الجزائر القدامى في خدمة اللغة العربية”. عرف الملتقى مشاركة فعلية لنحو 13 باحثا من بين أزيد من 150 طلب مشاركة. وجاءت هذه المشاركات من جامعات مختلفة (تلمسان، ورقلة، وهران، مستغانم، باتنة، بلعباس، لغواط، خنشلة، البليدة، البويرة…) أضفت عليه طابعًا وطنيًا شاملا. وفي هذه المحاضرات تم تناول موضوعات متعددة، جمعت بين اللسانيات، وتحليل النصوص، وقراءة التراث وبعض من صنعوه. وهكذا قدم الملتقى معلومات إضافية حول التراث اللغوي الجزائري باللغة العربية.
تناولت عدة مداخلات جهود أحد كبار علماء الجزائر (من جنوب شرق العاصمة)، وهو عبد الرحمن الثعالبي (ق. 9 هـ)، العالم اللغوي والمفسّر والأديب الشهير، وذلك من خلال قراءة في مؤلفاته حيث ترك قرابة تسعين مؤلفا، لعلّ أبرزها “الجواهر الحسان في تفسير القرآن”. كما ركزت مداخلتان أخريان على أحد أعلام منطقة توات، ابن أبّ المزمّري (ق. 12هـ)، الذي كان له دور بارز في مجال الدراسات اللغوية والنحوية وخدمة اللغة العربية في بلاد المغرب الإسلام وبلاد الساحل سيما من خلال تأليفه لـ”النفحة الوردية في شرح التحفة الوردية”. وفي مداخلة متميّزة، تطرّق أحد الباحثين إلى العالم التلمساني عبد الله بن قاسم الرصّاع (ق 9هـ)، من خلال عرضه لكتاب “الجمع الغريب” الذي يُعد شرحا للموسوعة النحوية “مغني اللبيب عن كتب الأعاريب” للمصري جمال الدين بن هشام (ق. 8هـ). وقد بيّن المُحاضر أنّ الكتاب يشكل مرجعًا مهمًا لفهم التداول اللغوي في عصره، وأنه يكشف عن شخصية علمية دقيقة تجمع بين اللغة والبلاغة.
كما استوقفت الحضور مداخلة أخرى حول شرح الحسين الشريف الورتلاني (ق. 1193هـ-1779م) للرسالة السمرقندية لأبي القاسم السمرقندي، وهو عمل يكشف عن عمق الدرس اللغوي في الجزائر خلال القرون الماضية، ويُبرز قدرة الورتلاني على الربط بين التحليل اللغوي والنظر الفقهي، واستثمار السياقات الدلالية في شرح النصوص العلمية. ومن علمائنا الذين تناولتهم إحدى المداخلات هود بن محكم الهواري (ق 3 هـ)، من منطقة الأوراس، وتفسيره باعتباره إحدى المحطات الكبرى في التراث اللغوي القرآني بالغرب الإسلامي.
ويبدو، من خلال هذا الزخم العلمي والتنظيم المحكم والقراءات المتجددة للتراث، أنّ المجمع الجزائري للغة العربية يسير بخطى واثقة نحو ترسيخ مكانته كمؤسسة رائدة في خدمة اللغة العربية. وفي هذا السياق، دعت توصيات الملتقى إلى مواصلة رفع الغبار عن مخطوطات أمثال هؤلاء العلماء التي ما تزال حبيسة العتمة، تنتظر من يكشف أسرارها ويعيدها إلى دائرة الضوء.
ومع اختتام فعاليات المؤتمر، تجدد الأمل في المزيد من المبادرات التي تُسهم في تطوير وترسيخ العربية لغةً للعلم والثقافة والابتكار.

مقالات ذات صلة