المحذور في ثورة العراق
واهم كل من توقع أن تمر المرحلة الاستعمارية على العراق كما خطط الاستعماريون، أو أن تنتهي الأمور لمصلحة أصدقاء الأمريكان، فهل يعقل أن يساء الظن بالشعب العراقي ورجاله إلى هذا الحد؟ لا يفعل ذلك إلا من عصب عينيه بالحقد والجهل، فلم ير شواهد التاريخ الناطقة بتميّز العراق واقتداره على قلب الموازين، وأنه القادر على استيعاب الضربات الكبرى وإحالتها إلى رماد.
أجل إن ملجأ العامرية لا يزال يحفر في قلوبنا وجعا لن يغفو لحظة، وأما سجن أبو غريب وبقية محتشدات الاعتقال الأمريكية في العراق، فإنها بلا شك فاقت في إجرامها وحقارتها ما لا يمكن وصفه، لقد أهانوا رجالا عظاما وفتكوا بقيم المجتمع، وألقوا بتقاليده وقيمه تحت جنازير الدبابات، بعد أن القوا قنابلهم الذرية والكيماوية على الآلاف من أبناء العراق، فأوقعوا بالعراق مصائب وكوارث إضطرت الملايين للهجرة بعد أن قضت على الملايين موتا أو يتما..
ظن كثيرون منطلقون من تقييمات متنوعة إلى الحكم بأن العراق إنتهى على الأقل لعشرات السنين، وأنه سيواجه قدره بالتشتت والتمزق الطائفي والقومي والفئوي، وأنه سيكون مسرحا للاعبين الإقليميين، وأنه سيعود مثلما قال بيكر وزير خارجية أمريكا الأسبق إلى العصر الحجري، إلا أن المقاومة العراقية التي انطلقت فورا في الموصل والأنبار في شمال العراق وجنوبه، أذهلت كل المراقبين وجاءت للجميع بخبر مؤكد أن العراقيين لا يعرفون الانكسار، وأنهم القادرون على استيعاب الصدمة بسرعة ومن ثم يتجاوزونها.
الآن الموجة الثانية من المقاومة بعد أن طرد العراقيون الجنود الأمريكان، ودحروا الغزاة إلى قواعد محصورة منحهم إيّاها عملاؤهم الموكوسون، تأتي هذه الموجة لتصحح قوامة العراق واستعادة لياقته، وذلك من خلال كنس عملاء الاستعمار وكنس ثقافة صنعها الاستعمار.
في العراق حكومة فاسدة ودستور طائفي، وعملية انتخابية فاشلة، وتعزيز الانقسام المجتمعي، وفي العراق كذلك نهب ثروات وإقصاء مناطق وتهميشها، وانتشار لكل أنواع الفوضى فكان من الضروري التقدم لإنهاء مفاسد النظام القائم بل والوضع الفاسد كله، فكانت اعتصامات الأنبار لأشهر عدة، اعتصامات سلمية تناوب على منابرها القادة المحليون والشخصيات السياسية والفكرية، إلا أن النظام الديكتاتوري لم يحتمل أن يكون في البد إلا صوته.
الآن انتقلت الاعتصامات إلى ثورة ومجالس عسكرية، ومجلس عسكري مركزي التحق به آلاف الضباط والجنود والقادة العسكريون من الجيش العراقي المحل، الأمر الذي دفع بالمالكي، إلى إصدار قرار بالسماح للضباط ما دون رتبة عقيد بالالتحاق بالجيش العراقي الحكومي.
نحن نعرف إلى أين تتجه الأمور، إنها تسير إلى عمل عسكري واسع سيقوده الجيش العراقي السابق المتوزع الآن على العشائر ومواقع الفعل، ونعرف أن الجيش العراقي مع فصائل المقاومة، سيحسم الأمر فيما بعد ولن يجد المالكي مكانا يأوي إليه.
لكنني هنا من خلال سماعي لبيانات وموجهي المجالس العسكرية، أريد التأكيد على التحذير من اختلاط الشعارات بما لا يمكن أن يكون عقلانيا أو مبدئيا، فمثلا ما ينبغي جر الحديث عن المالكي إلى اللغة الطائفية التي تفسد جو الوحدة الوطنية، أو اللغة القومية ضد الجار الإيراني، فالشيعة برآء مما يقوم به المالكي وزمرته، ولا ينبغي للثورة العراقية أن تفتح جبهة فاشلة وغير محقة مع الجمهورية الإسلامية، لأنها حينذاك تعيد الكرة إلى المربع الأول، والتحذير الثالث فيما يتعلق بوحدة العراق الجغرافية، فممنوع بالمطلق الاقتراب من تقسيم العراق..
إن مشاعر العرب والمسلمين كلهم مع الثورة العراقية ضد حكم المالكي شكلا ومضمونا، ولكن علينا أن ننتبه إن الاسلوب الذي سنستخدمه في العراق سيؤثر على مستقبل العراق والعلاقات داخل الأمة، وعلى نسيجها الثقافي الاجتماعي، النصر للعراق قادم والديكتاتور هالك لا محالة وتولانا الله رحمته.