المخابرات !
المخابرات أصبحت كلمة رهيبة في الجزائر ترمز إلى القمع والاضطهاد والخوف وما يصاحب ذلك من توجسات ورعب وذعر.. لقد غدت “المخابرات” في أذهان الجزائريين جهازا يراقب تحركاتهم، وكلامهم، وعلاقاتهم، يبطش بكل من تسول له نفسه معاداة النظام أو الجنرال أو الرئيس أو انتقاد المخابرات أو السياسات أو معارضتها والجهر بذلك… وكم هي كثيرة “أحاديث” الجزائريين و”إشاعاتهم” عن جزائريين ذاقوا الويلات على يد المخابرات، أو تهم لا يسعني الحديث عنها لأنها تضعني تحت طائلة القانون.. وهذا توجّس آخر..
ولا يمكن لهذه الصورة النمطية السلبية لدى الجزائريين عن المخابرات أن تتغير ما لم يلمسوا تغير الممارسات، ويشعروا بأن الجهاز قد عاد حقا إلى دوره الحقيقي في الدفاع عن الدولة وحماية شعبها ومصالحه عوض مطاردته وقمعه واضطهاده.. وهذا لن يتحقق ما لم يخرج من صلب هذا الجهاز “الرهيب”، رجال يؤمنون بأن الجيش مؤسسة جمهورية من مؤسسات الدولة التي يجب أن تكون في خدمة الدولة بمفهومها الواسع، وليس فوق الجمهورية وفوق الدولة لخدمة نظام أو أشخاص.. رجال يقوّمون الممارسات، ويصححون ما علق في الأذهان.
كتاب محمد خلفاوي الضابط السامي السابق في مديرية الأمن والاستعلامات، الموسوم “الاستعلام.. رهان حرب صامتة” مبادرة يمكن أن تؤسس لبداية من هذا القبيل، فقد بدا الرجل في حديثه لجريدة “الخبر” متحليا بالكثير من الصراحة والموضوعية، وليس أدل على ذلك اعترافه بأن عمل المخابرات في الجزائر “ينحصر في حراسة الشعب والغلق عليه، عوض الاهتمام بالخطر المحدق بالبلد من الخارج..” هذا الاعتراف تشخيص صادق يسهل معالجة الوضع لجعل المخابرات ـ كما قال خلفاوي ـ في خدمة الوطن مثلما يحدث في الدول الديمقراطية، ويطمئن المواطن أن المخابرات له.. وليست عليه.